الأسرة المسلمة

قيمة المبادرة والتطوع

المُبادَرة: لفظٌ جميل، ومعنًى عظيمٌ تُوحي بالجديَّةِ، وتُشعِر بالعزيمة، وتُنبئ عن علُوِّ هِمَّةٍ تدعو إلى الإسهام في مجالات الخيرِ كلِّها.

  • معنى المُبادَرة:

قال ابنُ مَنظورٍ في (لسان العرب): “والمُسارَعةُ إِلى الشيءِ: المُبادَرَةُ إِليه” [لسان العرب: 8/151].

وقال بعضُ أهلِ العلم: المُبادَرةُ التقدُّمُ فيما يجوز أنْ يُتقدَّمَ فيه، وهي محمودةٌ، وضِدُّها الإبطاءُ، وهو مذمومٌ، والعَجلةُ التقدُّمُ فيما لا ينبغي أنْ يُتقدَّمَ فيه، وهي مذمومةٌ، وضِدُّها الأَناةُ، وهي محمودةٌ.

وفي الشَّرع أكثر ما تُستعمَلُ في المُسارَعة إلى الخَيرات، وقد وردَتْ بهذا المعنى كثيرًا في القُرآن الكريمِ والسُّنَّةِ المُطهَّرةِ مدحًا لها وحثًّا عليها، فمِن ذلك قولُه تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الحديد:21]، وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:133]، وقولُه سُبحانَه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:148].

وهي صِفةُ النَّبيِّين والمُرسَلين كما جاء وصفُهم في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:90].

كما أنَّها صِفةُ عبادِ الله المُؤمِنين، بها وصَفهم في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:57-61].

وفي السُّنَّةِ أيضًا جاء الحضُّ على هذا المعنى الطيِّبِ فيما رواه مسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّمَ قَالَ: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا»، وفي جامِعِ التِّرمِذيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّمَ قَال: «بادِروا بالأعمالِ سبعًا: هل تنظرون إلا فقرًا مُنسِيًا، أو غنًى مُطغِيًا، أو مرضًا مُفسِدًا، أو هرَمًا مُفنِّدًا أو موتًا مُجهِزًا، أو الدَّجَّالَ فشرٌّ غائبٌ يُنتَظرُ، أو السَّاعةُ فالسَّاعةُ أدهى وأمرُّ» [رواه الترمذي، وَقالَ: حسنٌ غريبٌ، وضعَّفه الألبانيُّ].

وفي صحيحِ أبي داودَ والنَّسائيِّ وابنِ ماجة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ لَهُمْ: «تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّهُّ».

وقال عليُّ بنُ سَهْلٍ: “المُبادَرةُ إلى الطاعاتِ مِن عَلاماتِ التَّوفيقِ”، وكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ فِي مَوْعِظَتِهِ: “الْمُبَادَرَةُ عِبَادَةٌ، الْمُبَادَرَةَ الْمُبَادَرَةَ؛ فَإِنَّمَا هِيَ الْأَنْفَاسُ، لَوْ قَدْ حُبِسَتِ انْقَطَعَتْ عَنْكُمْ أَعْمَالُكُمُ الَّتِي تُقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً نَظَرَ لِنَفْسِهِ، وَبَكَى عَلَى ذُنُوبِهِ”، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 84]، ثُمَّ يَبْكِي وَيَقُولُ: “آخِرُ الْعَدَدِ خُرُوجُ نَفْسِكَ، آخِرُ الْعَدَدِ فِرَاقُ أَهْلِكَ، آخِرُ الْعَدَدِ دُخُولُكَ فِي قَبْرِكَ”.

  • المُبادَرةُ والإيجابيَّة:

وهناك معنًى آخرٌ للمُبادَرةِ ثبَت في الشَّرع، وهو معنًى جميلٌ، وقد يكون داخلًا على العُموم في المعنى الإجماليِّ، ولكن نُنبِّه عليه هنا؛ لأهمِّيَّتِه، ألا وهو معنى “الإيجابية”، بمعنى أنْ يكونَ للإنسان دورٌ في الحياة، ودورٌ في خِدمة الدين والبلادِ والعباد؛ فإنَّ الإسلامَ لا يعترف بالإنسان الخاملِ الذي لا قيمةَ له ولا عمل ولا أثَر، وقد دلَّ على هذا المعنى ما جاء عن أَبُي ذَرٍّ أنَّه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا يُنَجِّي الْعَبْدَ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: «الْإِيمَانُ بِاللَّهِ» قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ مَعَ الْإِيمَانِ عَمِلًا، قَالَ: «يُرْضَخُ مِمَّا رَزَقَهُ اللَّهُ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فَقِيرًا، لَا يَجِدُ مَا يُرْضَخُ بِهِ؟ قَالَ: «يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَيِيًّا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: «يَصْنَعُ لِأَخْرَقَ» قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَخْرَقَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا؟ قَالَ: «يُعِينُ مَغْلُوبًا» قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ضَعِيفًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعِينَ مَظْلُومًا؟ فَقَالَ: «مَا تُرِيدُ أَنْ تَتْرُكَ فِي صَاحِبِكَ مِنْ خَيْرٍ، تُمْسِكُ الْأَذَى عَنِ النَّاسِ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ دَخَلَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَفْعَلُ خَصْلَةً مِنْ هَؤُلَاءِ، إِلَّا أَخَذَتْ بِيَدِهِ حَتَّى تُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» [الترغيب والترهيب، رجالُه ثِقاتٌ، وهو في السلسلة الصحيحة للألبانيِّ].

فرسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُريدُ مِن المسلِمِ أنْ يكونَ إيجابيًّا فعَّالًا، لا كسولًا خامِلًا، وجعَل الإيجابيَّةَ مِن آثار الإيمان، ومِن الأعمال التي تُدخِلُ صاحبَها الجنَّةَ، وما زال أبو ذرٍّ يلتمس المَخارِجَ والبدائلَ للناس بقولِه: “أرأيتَ إنْ كان لا يستطيعُ كذا؟!” حتَّى قال فرسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ له: «مَا تُرِيدُ أَنْ تَتْرُكَ فِي صَاحِبِكَ مِنْ خَيْرٍ»، وهذا يدُلُّ على أنَّ العمل الإيجابيَّ خيرٌ، وأنَّ انعدامَه عند العبد كانعدام الخيرِ فيه، ومثلُ هذا لا يملِك إلَّا أنْ يكُفَّ شرَّه عن الناس.

ولقد شهِد تاريخُنا المجيدُ ألوانًا مِن المُبادَرات، ودلَّلَ أسلافُنا على أنَّهم أهلُ مُبادَرةٍ وعمَلٍ وسعيٍ وجدٍّ، وأنَّ هذه هي حقيقةُ الإسلام.

فأبو بكرٍ في أوَّل يومٍ مِن إسلامِه خرَج يدعو إلى الله تعالى مُباشَرةً، حتَّى عاد ومعَه أربعةٌ مِن العشرة المُبشَّرين بالجنَّة، وكلُّ حياتِه ومواقفِه ذاتُ أثرٍ في الدين.

وعُمَرُ بمُجرَّد إسلامِه يقولُ للنَّبِيِّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّمَ: علامَ نتخفَّى؟!، ويُطالِبُ بأنْ يخرجَ لمُلاقاةِ المُشرِكين وقتالِهم حتَّى يحكُمَ اللهُ بين الفريقَين.

وعُثمانُ صاحبُ الصولاتِ والجولاتِ في النفَقةِ على الدين وخدمةِ الرسولِ الأمين وجميعِ المسلِمين، اشترى بئرَ رُومةَ، وجعَل دَلْوَه معَ دِلاءِ المسلِمين، واشترى بُقعةَ آلِ فلانٍ حتَّى تُضافَ إلى المسجد النبَويِّ، وجهَّز جيشَ العُسْرة، وكان الناسُ في ضيقٍ وشدَّةٍ وقلَّةٍ يومَئذٍ، وفي كلِّ مرَّةْ كان رسولُ الله -عليه الصلاةُ والسلامُ- يقولُ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ اليَوْمِ».

  • الإيجابيَّة والدعوة:

الإيجابيَّة هي وَقودُ الدعوة، ولولاها ما تحرَّك أَحدٌ لدعوة أَحدٍ، ولمَا بلَغ الإسلامُ مَشارِقَ الأرضِ ومَغارِبَها، ولعاشَت أُمَمٌ في التِّيه حياتَها، ولكان أُناسٌ حطبًا لِجهنَّمَ لولا أنْ أنقذَهم اللهُ برجُلٍ ذي هِمَّةٍ عاليةٍ دعاهم إلى الإيمان..

والعجَبُ أن يكونَ مثلُ هذا الخُلُقِ المحمودِ في الحيوان، فلقد ضربَتْ نملةُ سليمانَ مثلًا للإيجابيَّة وأثرِها في استنقاذ أُمَّةٍ بأكملِها مِن الهلاك، كان يُمكِنُ لهذه النملةِ أنْ تذهبَ وحدَها بعيدًا فتُنقِذُ نفسَها، ولكنَّها آثرَتْ أنْ يكون لها دورٌ في إنقاذ أُمَّتِها مِن النمل، فنبَّهَتْهم وأنقذَتْهم.

وكذا هدهدُ سُليمانُ، فكان له الفضلُ بتوفيق اللهِ له في استنقاذ مملكةِ سَبَإٍ كلِّها مِن الشِّرك والكُفر والنَّار إلى الإيمان والتوحيدِ والجنَّةِ، وهذه ثمرةٌ مِن ثِمارِ الإيجابيَّة.

وكان للإيجابيَّة أيضًا دورُها في نَجاةِ أقوامٍ ودُخولِهم في الإسلام على يد رجُلٍ واحدٍ، آثَر أنْ يكونَ له دورٌ، وودَّع الخُمولَ والكسَلَ، كما حدَث معَ الطُّفَيلِ بنِ عَمْرٍو الدَّوسِيِّ الذي آمنَتْ قبيلةُ دَوسٍ على يدَيه، ومِنهم أبو هُرَيرةَ رضِي اللهُ عنه الذي هو أكثرُ الصحابةِ على الإطلاقِ حِفظًا لأحاديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

ومَن قرأ غَزوةَ الخَنْدَقِ أو الأحزابِ علِم دورَ نُعَيمِ بنِ مَسْعودٍ الثَّقَفيِّ في تخذيل الكافرين وإضرامِ نارِ الوَقيعة بين المُشرِكين واليهود؛ مِمَّا كان له أكبرُ الأثرِ في إنهاء هذا الحصارِ وانتصارِ المسلِمين، معَ أنَّه لم يكُن أسلَمَ إلَّا منذ سُوَيعاتٍ قليلة.

ومثلُه في الإيجابيَّة ثُمَامَةُ بنُ أُثَالٍ، لمَّا أسلَمَ قال لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّمَ: “يا مُحمَّدُ، واللَّهِ ما كانَ على الأرضِ وَجهٌ أبغَضُ إليَّ مِن وَجهِكَ، فَقدْ أصبحَ وَجهُكَ أحبَّ الوُجوهِ إليَّ، وَاللهِ ما كانَ مِن دِينٍ أبغضَ إليَّ مِن دينِكَ، فَأصبَحَ دينُك أحبَّ دينٍ إليَّ، وَاللهِ ما كانَ مِن بَلدٍ أبغَضَ إليَّ مِن بَلدِك، فأصبحَ بَلدُكَ أحبَّ البِلادِ إليَّ، وإنَّ خَيلَك أخذَتْني، وأنا أُريدُ العُمرَةَ، فَماذا تَرى ؟ فبَشَّرَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسَلَّم بِالخَيرِ، وأمرَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أنْ يَعتمِرَ.

فانبسَطَتْ أساريرُ ثُمامةَ وقالَ: واللهِ، لأُصِيبَنَّ مِن المشرِكين أضعافَ ما أَصبتُ مِن أصحابِك، ولأضَعَنَّ نفسي وسَيفي ومَن معي في نُصرتِك ونُصرةِ دينِك.

فَلمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قالَ لَهُ قائلٌ: صَبوتَ، يَعني: تَركتَ دينَك ومِلَّتَك، فَقالَ ثُمامَةُ: لا، ولَكنْ أسلَمْتُ مَعَ مُحمَّدٍ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، واتَّبعتُه ثُمَّ أقسمَ ثُمامَةُ فَقالَ: وَلا وَاللهِ، لا يَأتيكُم مِنَ اليَمامةِ حَبَّةُ حِنطةٍ، أي: لَا يَأتِيكُم حبَّةُ قَمْحٍ حَتَّى يَأذَنَ ويَأمُرَ فيها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أنْ تُرسَلَ إليكُمْ”.

وخاتِمةُ المَقالِ بقِصَّةِ إسلامِ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ رضِي اللهُ عَنه حين سمِع مِن مُصْعَبِ بنِ عُمَيرٍ، وكتَب اللهُ له الإسلامَ، فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ، وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ، فَأَقْبَلَ عَامِدًا إلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ.

قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ قَوْمُهُ مُقْبِلًا، قَالُوا: نَحْلِفُ باللَّه لَقَدْ رَجَعَ إلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا (وَأَوْصَلُنَا) وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا باللَّه وبرسولِه. قَالَا: فو الله مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً.

أرأيتُم؟!، إنَّها رُوحُ الإسلام وحقيقةُ الدين التي تحمِلُ صاحبَها على السَّعيِ الحَثيثِ إلى العملِ والإحسانِ، وطلَبِ المَعالي بعد رِضا الله تعالى عَنه.

ولم تكُن المُبادَرةُ والإيجابيَّةُ يومًا قَصْرًا على القادة، بل شمِلَتْ القاعِدةَ، ولم تكُن خاصَّةً بالكبار، بل شارَك فيها الشَّبابُ، ولم يتخلَّ الضعفاءُ المَعذُورُون بل شارَكوا الأقوياءَ، ولم تكن محصورةً على الرِّجالِ، بل كان للمرأةِ نصيبُها مِن ذلك، وإنَّ مجتمَعًا يُشارِكُ جميعُ أفرادِه بالمُبادَراتِ الخيِّرةِ لَمجتمعٌ خَليقٌ بالتقدير وقَمِنٌ بالبَقاء.

  • العمل التطوُّعي في الإسلام.. مفهومه وثمراته
  • العنصر الأول: تعريف العمل التطوُّعيِّ:

التطوُّعُ لُغَةً: التَّنَفُّلُ، أي تَكَلَّفَ الطاعةَ، يُقال: قام بالعبادة طائعًا مُختارًا دون أنْ تكونَ فرضًا لله، وفي التنزيل الحكيمِ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [سورة البقرة:184].

التطوُّعُ اصطِلاحًا: هو عمَلٌ يقومُ به فردٌ أو مجموعاتٌ، سواءٌ أكان ذلك العمَلُ بدنيًّا أو فِكريًّا أو اجتماعيًّا أو مادِّيًّا أو دينيًّا، والباعِثُ له هو احتِسابُ الأجر والثوابِ مِن الكريم الوهَّابِ.

  • العنصر الثاني: حثُّ القُرآن الكريمِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ على العمل التطوُّعيِّ:
  • أوَّلًا: حديث القرآن الكريم عن العمل التطوُّعيِّ.
  • قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:110].
  • ويُعدِّدُ لنا اللهُ تعالى صُوَرَ العمل التطوُّعيِّ، ويَقرِنُها بالإيمان والتقوى، فيقولُ سُبحانَه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:177].
  • قال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:113-115].
  • ومِن صُوَرِ العمل التطوُّعيِّ الإيثارُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]، أي: يُقدِّمون خدمةَ الآخرين ومصلحتَهم العامَّةَ على المصلحة الشخصيَّةِ الخاصَّةِ.
  • ثانيًا: حديث السُّنَّةِ النَّبويَّةِ عن العمل التطوُّعيِّ:

فقد ورَدَت أحاديثُ كثيرةٌ تدُلُّ على مشروعيَّةِ العمل التَّطوُّعيِّ، مِنها:

  • عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» [أخرَجه البُخاريُّ ومسلمٌ والتِّرمِذيُّ].
  • وعن أَبي سعيدٍ الخُدريِّ قَالَ: بينَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَال رسولُ اللَّه ﷺ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَن كانَ لَهُ فَضْلٌ مِن زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لا زَادَ لَهُ»، فَذَكَرَ مِن أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأحدٍ مِنَّا في فَضْلٍ [رواه مسلمٌ].
  • عَنْ أبي هريرة، عن النَّبيّ قَالَ: «لَقدْ رَأيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَرِيقِ كَانَتْ تُؤذِي المُسْلِمِينَ» [رواه مسلم]. وفي روايةٍ: «مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: وَاللهِ لأُنْحِيَنَّ هَذَا عَنِ المُسْلِمينَ لا يُؤذِيهِمْ، فَأُدخِلَ الجَنَّةَ»، وفي روايةٍ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشي بِطَريقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوكٍ عَلَى الطريقِ فأخَّرَه فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ».
  • عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى قَالَ: «صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» [رواه أبو داود والترمذيُّ وابنُ حِبَّانَ، وصحَّحه الشيخُ الألبانيُّ رحِمه اللهُ].
  • عَنْ أَبِي مُوسَى- رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوف» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ» [رواه البخاري].
  • العنصر الثالث: الواقع التطبيقيّ للعمل التطوُّعيِّ في القُرآن الكريمِ:
  • أوَّلًا: قِصَّة ذِي القَرْنَيْنِ:

ذو القَرْنَيْنِ ملِكٌ مِن المُلوكِ الذين ملَكوا الدنيا كلَّها، فدانَتْ له البلادُ، وخضَع له العبادُ، ذكَره اللهُ تعالى لنا في القُرآن الكريمِ؛ ليُقدِّمَ للأُمَّةِ مثالًا للحاكِمِ العادِلِ الذي يجُوبُ الأرضَ، ويمشي في قضاء حوائجِ الخَلْق، ولقد كان للعمل التطوُّعيِّ دورٌ بارزٌ في حياتِه ودعوتِه، بينما ذو القَرْنَيْنِ يجوبُ في الأرضِ، إذ وقَف على يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وهُم قومٌ طبيعتُهم الإفسادُ في الأرض، وعندها طلَب مِنه مَن يُجاوِرُهم أنْ يبنيَ بينَهم وبين يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ سدًّا، يقول اللهُ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:93-98].

فكان بناءُ السدِّ نعمةً عظمى للبشريَّة، وسببًا مِن أسباب هَناءِ العيش على الأرضِ، ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾، جاء في التفسير عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرَاجًا﴾ قَالَ: (أَجْرًا) عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، فقال ذو الْقَرْنَيْنِ بعِفَّةٍ ودِيانةٍ وصَلاحٍ وقصدٍ للخير: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ الَّذِي مَكَّنَنِي فِي عَمَلٍ مَا سَأَلْتُمُونِي مِنَ السَّدِّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ رَبِّي، وَوَطَّأَهُ لِي، وَقَوَّانِي عَلَيْهِ، خَيْرٌ مِنْ جُعْلِكُمْ، وَالْأُجْرَةِ الَّتِي تَعْرِضُونَهَا عَلَيَّ لِبِنَاءِ ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ وَأَطْيَبُ. كما قال سُلَيمانُ عليه الصلاةُ والسلامُ: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل: 36]، وهكَذا قالَ ذو الْقَرْنَيْنِ، ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾: وَلَكِنْ أَعِينُونِي مِنْكُمْ بِقُوَّةٍ، أَعِينُونِي بِفَعَلَةٍ وَصُنَّاعٍ يُحْسِنُونَ الْبِنَاءَ وَالْعَمَل، وساعدوني في ذلك، ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾: وَالرَّدْمُ: حَاجِزُ الْحَائِطِ وَالسَّدِّ، إِلَّا أَنَّهُ أَمْنَعُ مِنْهُ وَأَشُدُّ، ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾: أَيْ جِيئُونِي بِزُبَرِ الْحَدِيدِ، وَهِيَ جَمْعُ زُبْرَةٍ، وَالزُّبْرَةُ: الْقِطْعَةُ مِنَ الْحَدِيدِ.

  • ثانيًا: قِصَّة موسى عليه الصلاةُ والسلامُ وتطوُّعه لسقي الأنعام:

ومِن أمثلةِ العمل التطوُّعيِّ التي قصَّها علينا الربُّ العليُّ -جلَّ جلالُه- ما قام به نبيُّ الله موسى-عليه الصلاةُ والسلامُ- لمَّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ، في مشهدٍ يَفيضُ بالمُروءةِ والشَّفَقة، يقولُ تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 23، 24].

يقول الشهيدُ سيِّد قطب -رحِمه اللهُ-: “لَقَدِ انْتَهَى بِهِ السَّفَرُ الشَّاقُّ الطَّوِيلُ إِلَى مَاءٍ لِمَدْيَنَ. وَصَلَ إِلَيْهِ وَهُوَ مَجْهُودٌ مَكْدُودٌ. وَإِذَا هُوَ يَطَّلِعُ عَلَى مَشْهَدٍ لَا تَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ النَّفْسُ ذَاتُ الْمُرُوءَةِ، السَّلِيمَةُ الْفِطْرَةُ، كَنَفْسِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَجَدَ الرُّعَاةَ الرِّجَالَ يُورِدُونَ [ ص:2686 ] أَنْعَامَهُمْ لِتَشْرَبَ مِنَ الْمَاءِ وَوَجَدَ هُنَاكَ امْرَأَتَيْنِ تَمْنَعَانِ غَنَمَهُمَا عَنْ وُرُودِ الْمَاءِ. وَالْأَوْلَى عِنْدَ ذَوِي الْمُرُوءَةِ وَالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، أَنْ تَسْقِيَ الْمَرْأَتَانِ وَتُصَدَّرَا بِأَغْنَامِهِمَا أَوَّلًا، وَأَنْ يُفْسِحَ لَهُمَا الرِّجَالُ وَيُعِينُوهُمَا.

وَلَمْ يَقْعُدْ مُوسَى الْهَارِبُ الْمُطَارَدُ، الْمُسَافِرُ الْمَكْدُودُ، لِيَسْتَرِيحَ، وَهُوَ يَشْهَدُ هَذَا الْمَنْظَرَ الْمُنْكَرَ الْمُخَالِفَ لِلْمَعْرُوفِ. بَلْ تَقَدَّمَ لِلْمَرْأَتَيْنِ يَسْأَلُهُمَا عَنْ أَمْرِهِمَا الْغَرِيبِ:

قَالَ: مَا خَطْبُكُمَا؟.

قَالَتَا: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ.

فَأَطْلَعَتَاهُ عَلَى سَبَبِ انْزِوَائِهِمَا وَتَأَخُّرِهِمَا وَذَوْدِهِمَا لِغَنَمِهِمَا عَنِ الْوُرُودِ. إِنَّهُ الضَّعْفُ، فَهُمَا امْرَأَتَانِ وَهَؤُلَاءِ الرُّعَاةُ رِجَالٌ. وَأَبُوهُمَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرَّعْيِ وَمُجَالَدَةِ الرِّجَالِ! وَثَارَتْ نَخْوَةُ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَفِطْرَتُهُ السَّلِيمَةُ. فَتَقَدَّمَ لِإِقْرَارِ الْأَمْرِ فِي نِصَابِهِ. تَقَدَّمَ لِيَسْقِيَ لِلْمَرْأَتَيْنِ أَوَّلًا، كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ الرِّجَالُ ذَوُو الشَّهَامَةِ. وَهُوَ غَرِيبٌ فِي أَرْضٍ لَا يَعْرِفُهَا، وَلَا سَنَدَ لَهُ فِيهَا وَلَا ظَهِيرَ. وَهُوَ مَكْدُودٌ قَادِمٌ مِنْ سَفَرٍ طَوِيلٍ بِلَا زَادٍ وَلَا اسْتِعْدَادٍ. وَهُوَ مُطَارَدٌ، مِنْ خَلْفِهِ أَعْدَاءٌ لَا يَرْحَمُونَ. وَلَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَقْعُدُ بِهِ عَنْ تَلْبِيَةِ دَوَاعِي الْمُرُوءَةِ وَالنَّجْدَةِ وَالْمَعْرُوفِ، وَإِقْرَارِ الْحَقِّ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي تَعْرِفُهُ النُّفُوسُ.

فَسَقَى لَهُمَا..

مِمَّا يَشْهَدُ بِنُبْلِ هَذِهِ النَّفْسِ الَّتِي صُنِعَتْ عَلَى عَيْنِ اللَّهِ. كَمَا يَشِي بِقُوَّتِهِ الَّتِي تُرْهِبُ حَتَّى وَهُوَ فِي إِعْيَاءِ السَّفَرِ الطَّوِيلِ. وَلَعَلَّهَا قُوَّةُ نَفْسِهِ الَّتِي أَوْقَعَتْ فِي قُلُوبِ الرُّعَاةِ رَهْبَتَهُ أَكْثَرَ مِنْ قُوَّةِ جِسْمِهِ. فَإِنَّمَا يَتَأَثَّرُ النَّاسُ أَكْثَرَ بِقُوَّةِ الْأَرْوَاحِ وَالْقُلُوبِ.

  • العنصر الرابع: الشباب والعمل التطوُّعيّ:
  • أوَّلًا: الاستفادة مِن الشباب:

حيث يُمثِّلُ العملُ التطوُّعيُّ دورًا إيجابيًّا في إتاحة الفُرصة لأفرادِ المجتمع كافَّةً، وخاصَّةً الشبابُ؛ للمساهمة في العمل التطوُّعيِّ.

ويساعد العملُ التطوُّعيُّ على تنمية الإحساس بالمسئوليَّةِ لدى المُشارِكين، ويُشعِرُهم بقُدرتِهم على العطاءِ وتقديمِ الخِبرةِ والنَّصيحةِ في المَجالِ الذي يتميَّزون فيه.

  • ثانيًا: من أمثلة العمل التطوُّعيِّ عند شباب الصحابة:
  1. الأَرْقَم بن أبي الأَرْقَمِ الذي قدَّم بيتَه ليكونَ أوَّلَ مَحضَنٍ للدَّعوة.
  2. عَلِيُّ بن أبي طالِبٍ حينما قدَّم نفسَه لردِّ أماناتِ قُرَيْشٍ يومَ الهِجرة.
  3. جَعْفَر بن أبي طالِبٍ الذي لقَّبه النَّبِيُّ -صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّمَ- بأبي المَساكِينِ.
  4. رُفَيْدَة أوَّل مُمَرِّضةٍ وصاحِبة أوَّلِ مُستشفى مَيدانيٍّ في الإسلام.
  5. مُساعَدة أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ، وزوجِها عُمَرَ بنِ الخطَّابِ -رضِي اللهُ عنهم أجمعينَ- لامرأةٍ في المَخاضِ أثناءَ وِلادتِها.
  • العنصر الخامس: ثمرات العمل التطوُّعيِّ:
  • الفلاح، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحجّ:77].
  • الجنَّة بما فيها مِن نَعيمٍ مُقيمٍ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:9-22].
  • المَعُونة مِن اللهِ تعالى، في الحديثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [السلسلة الصحيحة].
  • أنْ تنالَ أجرَ المُجاهِدِ في سبيلِ الله، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى