الأسرة المسلمةمقاطع دعوية

قيمة المسئولية والانضباط

  • أولاً: قيمة المسؤوليَّة:

لقد خلق الله تعالى عبادَه في تلك الحياة لغايات منشودة، ومقاصدَ معدودةٍ، ترتبط برسالة الله إلى البشر، مِن توحيدِه وعبوديَّتِه والعملِ على تعمير الأرضِ وبنائِها وتزكية النفس البشريَّةِ، ولا يتحقق كلُّ هذا بِلا مسؤوليَّة يتحمَّلُها الفردُ نحو نفسِه والمجتمع مِن حولِه.. فكان مبدأُ المسؤوليَّة مِن أهمِّ مبادئ الشريعة الإسلامية، ومِن أخطرِ قضايا الدين الحَنيف.

ويومَ أنْ غاب استشعارُ المسؤوليَّة عن حياةِ النَّاس ضاعت القِيَمُ، واحتُلَّت البُلدانُ، ومُيِّعت الثوابتُ، وفرَّط الناسُ بالكثير مِن المبادئ والأخلاقيات الحميدة، وتحكَّمت الأهواءُ، واندثرت الحَضارةُ، وصارَت على هامِش الحياة؛ حين كثُرَ حُبُّ الدنيا، ونسِي الناسُ لقاءَ ربِّهم.

ودعونا نبدأ لقاءَنا اليومَ بآيةٍ عظيمة تضعُنا أمامَ مهمَّتِنا الحقيقية في الأرض، غير أنَّها تبدأ مِن النهاية لا مِن البداية، يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا [آل عمران:30].. تضعُك هذه الآيةُ أمامَ مسؤوليَّتِك: ماذا قدَّمتَ؟ وماذا فعلْتَ لنفسِك ومجتمعِك؟

  • أنواع المسؤوليَّة:

وتتجسَّدُ المسؤوليَّةُ في كلِّ لحظة مِن لحظات حياتِنا؛ وتتنوَّعُ إلى مسؤوليَّةٍ يتحمَّلُها الفردُ عن نفسِه، ومسؤوليَّةٍ يتحمَّلُها عن مجتمعِه ووطنِه وأُمَّتِه مِن حولِه.

  1. المسؤوليَّة الفرديَّة:

فنجدُ التأكيدَ القُرآنيَّ عليها كثيرًا كثيرًا؛ حيثُ يقولُ الملِكُ سُبحانَه: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه:15]، ويقول أيضًا عن الحِسابِ يومَ القيامة: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر:17] ولذا فإنَّ السُّؤالَ يومَ القِيامةِ سيكونُ للفردِ عن نفسِه أوَّلًا قبلَ أيِّ أحدٍ غيرِه، قال عزَّ مِن قائلٍ: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:95]. ويقولُ جلَّ شأنُه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ [الصافَّات:24]. ويقولُ تقدَّست أسماؤُه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المُدَّثِّر:38].

وقد روى الترمذيُّ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ» [هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، أخرجه الترمذيُّ في سنَنِه]

فالمسؤوليَّةُ الفرديةُ تعني أنْ يحفظَ المسلمُ جوارحَه عن كلِّ مَنقصةٍ ومَذمَّةٍ، وأنْ يحفظَ مالَه عن الحرام، وعِلْمَه عن توظيفِه في الحرام، وأنْ يحفظَ كلَّ ما أعطاه اللهُ مِن نِعَمٍ؛ فلا يُؤذِ أحدًا ولا يعتدي على أحدٍ.. وفي الحديثِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»، فالمُسْلِمُ مسؤولٌ تجاهَ خالقِه (اعتقادًا وسلوكًا)، وأسرتِه (تَربيةً ورِعايةً)، ومجتمعِه (حفظًا وحمايةً) وأُمَّتِه (نُصرةً ورِيادةً).

  1. المسؤوليَّة المجتمعيَّة:

فتعني الإحساسَ بقيمةِ المجتمع وضرورةَ إثباتِ الدور الذاتيِّ في حفظِه مِن خِلالِ تعميرِه وإقامةِ الخير فيه، والعملِ على نشرِ القِيَمِ الحسنةِ والمحبَّةِ بين أرجائِه، ومنْعِ المُفسِدين مِن الإضرارِ في سفينتِه، وإنَّا لنلحَظُ تحذيرًا قُرآنيًّا عجيبًا في قولِ الحقِّ جلَّ في عُلاه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25]. فالمسلمون لُحْمةٌ والمؤمنون إخوةٌ، وحقُّ الإنسانِ على أخيه أنْ يقِفَ معَه، وأنْ ينصحَه، وأنْ يُذكِّرَه بالخير ويصرِفَه عن الشرِّ، وأنْ يحفظَ المجتمعَ مِن الفِتَنِ والشهوات، وأنْ يعملَ على صرفِ كلِّ سوءٍ عمَّن حولَه.

ولعلَّ حديثَ السفينة يُثبتُ ذلك: فقد روى البُخاريُّ في صحيحِه مِن حديثِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا».. ومجتمعُنا هو هذا الحديثُ!! فقد انقسم الناسُ إلى قسمين أو ثلاثة، قسم يُريدُ أنْ يُخرِّبَ، وقسم يُريدُ أنْ يُصلحَ، وقسم يُشاهِدُ ويَسكُتُ، بل رُبما يعملُ على تثبيط هِمَمِ المُصلِحين؛ مِمَّا يجعلُنا نحذَرُ مِن غرَقِ سفينة المجتمع، ويحمِّلُنا جميعًا المسؤوليَّةَ تجاهَ إنقاذ المجتمع.

  1. المسؤوليَّة الإنسانيَّة نحو المَقهورين في الأرض:

يقولُ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13]، فحقُّ الإنسان على الإنسان أنْ يُحافِظَ عليه، وأنْ يُسانِدَه عند الضَّرَر، وأنْ يعملَ على رفْعِ القهر والظُّلم والبلوى عن الآخرين، وصيانةُ الأوطان والبلاد تبدأ مِن تحمُّلِ المسؤوليَّةِ الإنسانيَّة نحو الضعيف والمظلوم والمُحتاج، ولن تتحقَّقَ إلَّا بالمحبَّةِ الإنسانيَّة.

  • أُمَّتُنا تحتاجُ أهلَ المسؤوليَّة:

ولِمَ لا؟! والإنسانُ -كما يقولون- (مدَنيٌّ بطبعِه)، فهو اجتماعيٌّ بالفِطرة، ولا يستطيعُ أنْ يعيشَ مُنفرِدًا أو مُنعزِلًا عن المُجتمَع، فهو فردٌ في أسرة، وأسرةٌ في مجتمع، وبين جوانبِ أُمَّةٍ تنتظر هِمَّتَه وجهدَه في نُصرتِها وحفظِ مكانتِها، فمِن مُنطلَقِ اجتماعية الإنسان يتحمَّلُ مسؤوليَّتَه نحو مجتمعِه في إقرار الحقِّ وإزهاقِ الباطل، والإعانةِ على الخير ونبْذِ الشرِّ.

والناظرُ في حالِ أُمَّتِنا اليومَ يراها وقد تشتَّتَ أبناؤُها، وتمزَّقت وَحدتُها، وتفرَّقَ دُعاتُها، ويتساءلُ: أهذه أُمَّةُ محمَّدِ بن عبد الله؟! أهذه أُمَّةُ محمَّدٍ الكريمِ الذي جمَعَ المُتفرِّقَ، ورفَعَ رايةَ الحقِّ والوَحدةِ على راياتِ الفُرقةِ والنِّزاع؟!، أهذه أُمَّةُ محمَّدٍ الذي قال للأَوْسِ والخَزْرَجِ يومًا: «أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟! دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».

إنَّ مجتمعَ المسلمين بنعمة الله وبروح الإسلام كتلةٌ واحدةٌ في عُمومِ الكُرةِ الأرضيَّة، مِن شرقِها إلى غربِها، ومِن شمالِها إلى جنوبِها، لا يعرِفُ الإسلامُ القومِيَّةَ المَهينةَ التي مزَّقَتْ أُمَّتَنا كلَّ مُمزَّقٍ، أهذه الأُمَّةُ التي نادى في آذانِها رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقولِه: «إنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وشَبَّكَ أصَابِعَه؟!… أهذه هي الأُمَّةُ التي جعَلَها الإسلامُ جسدًا واحدًا؟!، فَعَن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».

إنّ مِن عظيمِ المسؤوليَّة أنْ يتحمَّلَها المسلمُ نحو أُمَّتِه المَكلومةِ الجريحةِ اليومَ؛ فمُقدَّساتٌ تُهانُ وتُغلَقُ أمامَ المُسلِمين كالمسجد الأقصى الحزين، وبلادٌ مُحتلَّةٌ لا تجدُ فيها نفَسًا لحُرٍّ أبيٍّ كريمٍ إلا ما ندَرَ، ودُوَلٌ تَمزَّقَ أبناؤُها تحتَ راياتٍ مُتعدِّدةٍ بسبب الكِبْرِ والعِناد.

  • حَرّكَتْهُم المسؤوليَّة:

أتساءلُ كثيرًا عن دوافعِ هؤلاء الأكارمِ في الحركة نحو إنقاذ المجتمع، وأنَّهم لم يستسلموا لنبرات اليأس والتيئيس، وشعاراتِ السلبيَّة القاتلة مثل: (عِشْ جَبانًا تمُتْ مَستُورًا…. إلخ)؛ فقد تحرَّكوا ولم يكترِثوا بما سيحدثُ لهم؛ فقد كان همُّهم الأوَّلُ إنقاذَ مجتمعِهم وأبنائِه.

  1. ما الذي حرَّك مُؤمِنَ آل ياسينَ؛ ليدعوَ قومَه بالاستجابة للرُّسُل؟!
  2. ما الذي حرَّك مُؤمِنَ آل فرعونَ، وهو المُنعَّمُ في القُصور والسُّلطة؟!، ما الذي حرَّكه؛ ليُثبتَ الحقَّ الذي جاء به الداعيةُ موسى عليه الصلاةُ والسلامُ؟!
  3. ما الذي حرَّك النَّبِيَّ موسى عليه الصلاةُ والسلامُ؛ ليسقيَ للفَتاتَينِ في مَدْيَنَ، وهو الفارُّ بدينِه مِن بطشِ الظالِمين؟!
  4. ما الذي حرَّك الناصِحين في قِصَّةِ أصحاب السَّبْتِ؛ لينصحوا قومَهم مِمَّن يرتكبون الباطلَ ويتحايلون على أمر الله تعالى، وقالوا لهم: هذا حرام!! رغم تثبيط السلبِيَّينَ لهم، قائلين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [الأعراف:164]، غيرَ أنَّهم ردُّوا بعِزَّة النفْس: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ [الأعراف:164]؟! فما الذي حرَّكهم إذًا؟!
  5. ما الذي حرَّك الرَّسولَ الصادقَ الأمين -عليه الصلاةُ والسلامُ-؛ ليَحضُرَ في دار عبد الله بنِ جَدْعانَ (حِلْفَ الفُضُولِ) ويقِفَ بجِوارِ مظلومٍ لا يعرفُه؟!
  6. ما الذي حرَّك صلاحَ الدين الأيوبيَّ نحو بيت المَقدِس المأسورِ الجريح يومًا مِن الأيَّام؟!
  7. ما الذي حرَّك عبدَ الحميدِ بنَ باديسَ، وعبدَ القادرِ الجزائريَّ، وعُمَرَ المُختار نحو نُصرة بلادِهم والحفاظِ عليها دونَ أمرٍ مِن مسؤولٍ أو رئيسٍ أو مُديرٍ؟!
  8. ما الذي حرَّك نملةً لا نسمعُها ورُبما لا نراها أنْ تنصحَ قومَها؟! قال تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [النمل:18].
  9. بل قُلْ: ما الذي حرَّك هُدهدًا؛ ليأخُذَ بيد أُمَّةٍ تسجدُ للشَّمسِ والقمرِ مِن دُونِ اللهِ؟! قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [النمل:20-26].

والجوابُ:

إنَّه الإحساسُ بالمسؤوليَّةِ، أنْ تُحِسَّ بالمسؤوليَّة، وأنْ تستشعرَ الأمانةَ؛ فأنت إنسانٌ!!

وفي المُقابِلِ لمَّا تخلَّى أُناسٌ عن مسؤوليَّاتِهم الدينية والمجتمعية والإنسانية عُوقِبوا، وضلَّت حياتُهم، وأظلمَتْ عليهم دُنياهم، وانظُر إلى حالِ قومِ موسى -عليه الصلاةُ والسلامُ- حينَ قالوا له: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24].

  • ابتلاء السلبيَّة:

لقد ابتُليت أُمَّتُنا في زمانِنا هذا  بأُناسٍ انتَسبوا إليها فَقَدُوا الشعورَ بالمسؤوليَّةِ وكثُر بين أبنائِها مَن ينزعُ إلى الأنانيَّة والأناماليَّة -(وأنا مالي)-.. غير أنَّ الناظرَ في حقيقة الإسلامِ يراه دينًا يُفجِّر طاقاتِ البشَر نحو خدمة دينِهم وأُمَّتِهم، ويُحرِّك الهِمَمَ نحو الشعورِ بالمسؤولية، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3]، ألا يَعني هذا الإحساسَ بالمسؤوليَّة؟!!

  • مِن صُوَرِ المسؤولية الغائِبة:

تدخُل المسؤوليَّةُ في كلِّ عَلاقة وجانبٍ مِن جوانب حياتِنا وعَلاقاتِها، فمسؤوليَّةٌ عن النفْسِ والوالِدَينِ والأبناء والزَّوج، والمجتمع، والعُصَاة، والمَظلومِين، والضعفاء، والمُقدَّساتِ، ومسؤوليَّةُ الراعي عن رعِيَّتِه في كلِّ زاوِية، حتى المسؤوليَّةُ عن الحيوانات..

والحديثُ الأشهَرُ في هذا الشأن ما رواه البُخاريُّ ومسلمٌ عن النَّبِيِّ صلَّى اللهُ علَيْه وَسَلَّمَ أنَّه قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

  • صُوَر غائبة للمسؤوليَّة المَطلوبة:
  1. المسؤوليَّة بين الزَّوجَين عن القيام بالواجبات والعملِ على إسعاد الآخَر؛ كموقف خديجةَ رضِيَ اللهُ عنْها يومَ أنْ نزل الوحيُ على رسولِ الله صلَّى اللهُ علَيْه وَسَلَّمَ.
  2. العمل على رفع جهلِ الجاهِلين؛ فمسؤولية العالِم أنْ يرفعَ جهلَ الناس؛ حِرصًا على مصلحة الأُمَّةِ والمجتمع.
  3. بثُّ الأمل في نفوس اليائِسين؛ فلا يصِحُّ أنْ تبُثَّ اليأسَ فِيمَن قال: هلَك الناسُ؛ فهو أهلكُهم أو أهلكَهم.
  4. نشر الأخلاق ونبذ الفاحشة؛ فالذي يعمل على نشر الفُحشِ خبيثٌ، والمسؤوليَّة الحقَّةُ هي التي تعمل على نشر الفاضلِ مِن كلِّ خُلُقٍ.
  5. قضاء الحوائج ورِعاية المُحتاجين.
  6. إعانة المظلومين وإغاثة الملهوفين.
  7. نصرة المُقدَّسات، لا سِيَّما المسجدُ الأقصى الجريحُ؛ فالأقصى له حقٌّ على كلِّ مسلم، ولا يَليقُ بأُمَّةِ محمَّدٍ أنْ تُفرِّقَ بين المُقدَّسات، أو ترتبطَ بقومِيَّةٍ قاتِلة أهلكت الوَحدةَ، ومزَّقت التآلُفَ بين الناس.
  • وصيَّة عمَليَّة:

كُنْ جزءًا صالحًا مُصلِحًا في جَسَدِ أُمَّتِك، فتِّشْ عن جِراحاتِها، واعمَلْ على عِلاجِها ومُداواتِها -بقدْرِ استطاعتِك- بتربية أبنائِك على الأخلاقِ والقِيَمِ الحسَنة، بنُصحِك للمُفسِد بحكمةٍ ورِفقٍ، بإرشادِك الضالَّ عن طريق الحقِّ بهُدوءٍ وتأنٍّ، ببذلِك مِن وقتِك وعلمِك لأُمَّتِك المَجروحة، بنشرِ قضيَّةِ المسلِمين الأُولى (فلَسطينَ)، بِدُعائِك في صلواتِك للضعفاء والمَجروحين، بنُصرتِك لمَظلومٍ وإعانتِك لمُحتاجٍ وإغاثتِك لمَلهوفٍ، ونَجدتِك لجريحٍ.

لا تعِشْ لنفْسِك وأهوائِك، ولا تحيا لأنانيَّةٍ قاتِلة، لن تُفيدَك شيئًا أمامَ الله سوى الحسرةِ والنَّدامة؛ فمَن عاش لنفسِه ماتَ سريعًا ولو عاش بين الناس بجسِده، ومَن عاش لأُمَّتِه كُتِبت له حياةٌ فوقَ حياتِه ولو مات بجسدِه.

لا تظُنَّ أنَّ الأناماليَّةَ (وأنا مالي) سوف تُغنيك أو تُنجيك أو تُعطيك رِزقًا ليس لك!!

نسأل اللهَ تعالى أنْ ينصُرَ المسلِمين في كلِّ مكان، وأنْ يحفظَ وَحدةَ أُمَّتِنا، وأنْ يُعيدَ إليها مجدَها التَّليدَ.

  • ثانياً: قيمة الانضباط:

تتَّسم حياةُ كثيرٍ مِنَّا بالمِزاجيَّة والعَشوائية وقلَّةِ الانضباط أو انعدامِه، ورُبما يرى بعضُنا أنَّ الانضباط هو نوعٌ مِن مُعاقَبةِ النفس وحِرمانِها، ويرى أنَّه عندما يعيش حياتَه بغير انضباطٍ أو تقييدٍ فهو خيرٌ له وأفضلُ.

وهذا -بِلا شكٍّ- تصوُّرٌ خاطئٌ وجهلٌ مُركَّب، فالحياة كلُّها قائمة على الانضباط، ومُسيَّرةٌ على النظام المُنضبِط، القائمِ على سننٍ كونيةٍ ونواميسَ إلهيةٍ وضَعها الربُّ الحكيم العليم -جلَّ جلالُه-.

لو تأمَّلَ المسلم في دينِه العظيم.. دينِ الإسلام لوَجَدَ أنَّ الإسلام في كلِّ تعاليمِه وأنظمتِه يدعو المسلمَ إلى الانضباط التامِّ والتقيُّدِ الكامل؛ فلِهذا وضَع لكلِّ شيءٍ حدودًا مرسومة، وكيفيَّاتٍ مُعيَّنةً، وتعليماتٍ واضحة، وتفاصيلَ مُحدَّدةً؛ حتَّى يُعلِّم الناسَ على الانضباط بها، والالتزامِ بتعاليمِها؛ ليكونوا بَعيدِين عن العشوائيَّة والمِزاجيَّة.

إنَّ دينَنا الإسلاميَّ الحنيفَ لم يقُل لنا: صلُّوا فقط، وإنَّما أمَرنا بالصلاة وبيَّنَ لنا أوقاتَها، وأحكامِها، وتعاليمِها، وعددِ رَكعاتِها، وتفاصيلِ أركانِها وواجباتِها ومُستحَبَّاتِها؛ حتَّى ننضبطَ في كلِّ جُزئياتِها، ونُؤدِّيَ كلَّ حُقوقِها وتعليماتِها بشكلٍ منتظم ومنضبط.

ولهذا؛ لم يأتِ الأمرُ بالصلاة أمرًا عامًّا دون تفصيلاتٍ مضبوطة وأحكامٍ مُقيَّدة؛ إذ لو كان الأمرُ كذلك؛ فإنَّ كلَّ فرد سيشرعُ لنفسِه ما يُريدُ، ويفعلُ مِن الأحكام ما يشاءُ، وتكونُ الصلاةُ تُؤدَّى بغير نظامٍ ولا أحكام، ولكانت صلواتٍ عديدةً ومُتنوِّعةً، وليست صلاةً واحدة.. لكلِّ قومٍ صلاةٌ، ولكلِّ بلدٍ صلاةٌ.

وهكذا إذا نظرنا في كلِّ العِباداتِ والشعائرِ الأخرى لوجدنا أنَّها كلَّها تُعلِّمُنا الانضباطَ وتُربِّينا على النظامِ، فلكلِّ عِبادةٍ مواقيتُ تُؤدَّى فيها، وكيفيَّاتٌ تُؤدَّى بها، وأحكامٌ تُنظِّمُها وتُربِّي النفوسَ على الالتزامِ بمُحدِّداتِها، بل إنَّ دقيقةً واحدةً تقديمًا أو تأخيرًا قد يتوقَّفُ عليها صِحَّةُ العِبادةِ وبُطلانُها، واتِّباعُ السُّنَّةِ أو مُخالَفتُها.

إنَّنا لو ربَّينا أنفسَنا على الانضباط مِن خِلال هذه العبادات الإسلاميَّةِ والشعائرِ التعبُّدية التي تُعلِّمُنا الانضباطَ لتعلَّمت أنفسُنا النِّظامَ، ولسارَتْ عليه في كلِّ شؤون حياتِنا، وفي جميعِ تفاصيلِ أعمالِنا وتحرُّكاتِنا، يقول اللهُ -تبارك وتعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً [المائدة:3].

في أحد البرامج على قنـاة المجد، كـان ضيف اللقاء رئيس لجنة التعريف بالإسلام، حكى في أحد الحلقات قِصَّةً عجيبةً لرجلٍ أمريكيٍّ كان يُشاهِدُ الحرَمَ المكِّيَّ وهو يعِجُّ بالمُصلِّين قبل إقامة الصلاة، فسأله أحدُ الدُّعاة قائلًا: كم يحتاجُ هؤلاءِ مِن الوقت للاصطفاف في رأيِك؟! فقـال: ساعتين إلى ثـلاثِ ساعاتٍ، فقال الداعيةُ: إنَّ الحرَمَ أربعةُ أدوارٍ!! فقال: إذن اثنتا عشرة سـاعة! فقالوا له: إنَّهُم مُختلِفو اللُّغـات!! فقـال: هؤلاءِ لا يُمكِنُ اصطفافُهُم!! فلمَّا حانَ وقتُ الصـلاة وتقدَّمَ إمامُ الحرَمِ وقال: استَووا، فَوقَف الجميعُ في صُفوفٍ مُنتظمة في لحظاتٍ قليلة، فأسلم الرَّجلُ الأمريكيُّ مُباشَرةً، وقال: ما أعظمَه مِن دينٍ يدعو إلى الانتظامِ والانضباط.

وهكذا الجهادُ في سبيل الله لن يكونَ إلَّا بالانضِباط، فإذا كان الجهادُ بِلا انضِباطٍ فإنَّه لن يُحقِّقَ هدفَه، ولن يُؤدِّيَ غرضَه.

ولهذا؛ حينما لم ينضبط بعضُ المسلِمين بأمر النَّبِيِّ -صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّمَ- يومَ أُحُدٍ بأنْ لا يَبرحوا أماكِنَهم، وأنْ لا ينزِلوا مِن أعلى الجبَلِ مهما كان ومهما صار حتَّى يأتيَهم الأمرُ = وقعت الهزيمةُ، وأنزل اللهُ قولَه تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:165].

تقولون: كيف حدَثت الهزيمة؟! ومِن أين جاءَتْ؟! قُل لهم: هي مِن عند أنفسِكم؛ بسبب عدم انضباطِكم، وبسبب مخالفتِكم لأمرِ نبيِّكم -صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّمَ-، فوقعت الهزيمةُ.

يقول اللهُ -سُبحانَه وتعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصفّ:4]، ففي هذه الآيةِ حثٌّ واضحٌ مِن الله -تبارك وتعالى- لعبادِه على الجهاد في سبيلِه، وتعليمٌ لهم كيف يصنعون عند القِتال، وأنَّه ينبغي لهم أنْ يصُفُّوا في الجهاد صفًّا مُتراصًّا مُتساوِيًا، مِن غيرِ خلَلٍ يقع في الصفوف ولا اضطرابٍ، وتكون صفوفُهم على نظام وترتيب تحصل به المساواةُ بين المُجاهِدين، والتَّعاضُدُ فيما بينَهم، وتنشيطُ بعضِهم لبعضٍ؛ حتَّى يُرهِبوا العدوَّ.

ولهذا؛ كان النَّبِيُّ -صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّمَ- إذا حضَر القتال، صفَّ أصحابَه، ورتَّبهم في مواقفِهم، بِحيثُ لا يحصلُ اتِّكالُ بعضِهم على بعضٍ، بل تكونُ كلُّ طائفةٍ مِنهم مُهتمَّةٌ بمركزِها، وقائمةً بوظيفتِها، ومُنضبِطةً في عملِها، وبهذه الطريقةِ تتِمُّ الأعمالُ، ويحصلُ الكمالُ، ويقعُ النَّصرُ بإذن الله.

هكذا تُربِّي العِباداتُ الإنسانَ على الانضِباط انضباطًا شرعيًّا، وانضباطًا كلِّيًّا في حياتِه بشكلٍ عامٍّ؛ فإنَّ حياةَ الناس الدُّنيوِيةَ لا تستقيمُ أيضًا إلَّا بالانضباط.

وإنَّ مِن أعظم صُوَر الانضباطِ، الانضباطَ لشرع الله، والالتزامَ بالأوامر والنواهي التي أُمِرنا بها ونُهِينا عنها، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [المائدة:92]، ويقولُ أيضًا: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النور:54]. وهناك آياتٌ كثيرةٌ جدًّا، كلُّها تأمرُنا بطاعة الله ورسولِه، والانضباطِ بما جاء في الكتاب والسُّنَّة، وعدَمِ تعدِّيهما أو الخروجِ عنهما.

يقولُ النَّبِيُّ -صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّمَ-: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» [صحيحُ البُخاريِّ].

ومِن أهمِّ صُوَر الانضباطِ: الانضباطُ الذاتيُّ، بأنْ يضبطَ الإنسانُ نفسَه في كلِّ أمورِه، فيضبطُ نفسَه في المال، وفي الوقت، ومعَ الآخرين؛ ولهذا تجِدُ كثيرًا مِنَّا يضيعُ عمُرُه، وتفوتُ أوقاتُه، وتذهبُ أموالُه وطاقاتُه بسبب العشوائية التي يعيشُها وعدمِ الانضباط، فأوقاتُه تُهدَر؛ لأنَّه لم يضبطْها، ولم يُبرمِجْ نفسَه ببرنامَجٍ مُنضبط، ومالُه يتبدَّد في أمور تافهةٍ على حساب احتياجاتٍ هامَّة؛ بسبب عدمَ الضبطِ الماليِّ، وطاقاتُه تضيع وإمكانياتُه تتلاشى؛ بسبب عدمِ الانضباط.

يقولُ النَّبِيُّ -صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّمَ-: «لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ» [سنن الترمذي]، فلينتبه المرءُ لنفسِه، وليضبطْ أمورَه كلَّها؛ فإنَّه محاسَبٌ عن كلِّ شيء، ومسؤولٌ عليه يومَ القيامة عند لقاءِ الله سُبحانَه وتعالى.

ومِن صُوَر عدم الانضباط التي نُعايشُها: عدمُ الانضباطِ في تلقِّي العلم وطلبِه، فبعضُ طُلَّابِنا -هدانا اللهُ وإيَّاهم- تجدُهم يتَّسمُ في دراستِه العلمية وتحصيلِه المعرفيِّ بالعشوائية وضعفِ الانضباط، فيومًا تجدُه يدرسُ هذا الكتابَ، ويوماً كتابًا آخرَ، وهو لم يُكملْ ذاك بعد، ويومًا تراه يحفظُ مِن هذا الكتابِ ثُمَّ يُلغيه ويَذهب إلى الآخر، وهكذا في عشوائيةٍ واضحة، وانفلاتٍ غيرِ منضبط، يَعقُبُه الفشلُ الذريعُ في النهاية كما هو معلومٌ ومُشاهَدٌ عند كثيرٍ مِن أبنائِنا وطُلَّابِ العِلم في مجتمعِنا.

إنَّ الانضباطَ مهمٌّ جدًّا، يحتاج إليه الإنسانُ في كلِّ شيء، فأُوصي نفسي وإيَّاكم بالانضباط، وأنْ نكونَ مِمَّن يُلزِمُ نفسَه ويضبطُها في كلِّ شؤون حياتِه، دنيا وآخرةً، فإنْ لم نضبطْ أمورَنا ضِعْنا وتاهَت بوصلتُنا وتشتَّتت أمورُنا، وصِرنا كغنمٍ مُبعثَرةٍ في يومٍ شاتٍ، نسألُ اللهَ العافيةَ.

  • فوائد النظام والانضباط:
  1. حفظ حقوق الأفراد في المجتمع، وحماية الضعيف منهم من سلطة القوي وسلب حقوقه.
  2. تحقيق المساواة بين أبناء المجتمع؛ فعند تطبيق النظام والانضباط على جميع الأفراد لا يشعر أحد بأفضليةٍ للآخرين عليه، مما يحافظ على ترابط الجميع معاً.
  3. أداء الأعمال بالشكل الأفضل وعلى أحسن وجهٍ، فعند تطبيق النظام يستطيع الفرد الإبداع والابتكار في ظل الأمان وحفظ الحقوق.

القدرة على السيطرة على المجتمع وأفراده، وتحديد صلاحيات كل فردٍ أو مجموعةٍ، وحماية المجتمع من الفوضى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى