الأسرة المسلمة

قيمة التكافل والتعاون

  • أولاً: قيمة التكافل:
  • الأبعاد الاجتماعية لشهر رمضان:

يُعدُّ شهر رمضان المبارك أفضلَ مُناسَبةٍ للتغيير الاجتماعيِّ والذاتيِّ، ففي أجواء شهر الله الإيمانية يتغيَّر كلُّ شيء، وتكون النفوس قابلة للتغيُّر والتغيير، ويكون المجتمع قابلًا لحراك اجتماعيٍّ قويٍّ.

وكما أنَّ النفوس تُصابُ بالتعب والإرهاق والملل والرَّتابة، كذلك المجتمعاتُ، وكما أنَّ النفوس مُستعِدَّةٌ بطبيعتها للتأثُّر والتأثير، كذلك المجتمعاتُ تمتلك مُقوِّماتِ التأثُّرِ والتأثير.

إنَّ أجواء شهر رمضان المبارك تساعد كثيرًا على تجاوز الكثير مِن العقبات والمشكلات، ومُعالَجةِ العديد مِن الأمراض الاجتماعية المُزمِنة وغيرِ المزمنة.

لذلك كلِّه؛ علينا أنْ نستثمرَ شهرَ رمضانَ الكريمَ في إحداث تغيير اجتماعيٍّ حقيقيٍّ بِما يُسهم في إنماء المجتمع وتطويرِه، والرُّقِيِّ به نحو سلالم المجد والازدهار والتقدُّم.

  • ملامح التغيير الاجتماعي:

للتغيير الاجتماعيِّ أبعادٌ وملامحُ مختلفةٌ، وكلُّها بحاجةٍ إلى تغيير إيجابيٍّ بِما يُعزِّز مِن تماسك المجتمع وقوَّتِه، وأهمُّ هذه الملامح ما يلي:

  • أولاً: صلة الأرحام:

شهر رمضان الكريم فرصة مميَّزة لوصل ما انقطع، وتقوية الأواصر الأسرية؛ فصِلة الرَّحِم مِن القِيَمِ الدينية والإنسانية التي يجب الحفاظ عليها، فقد حَثَّ الدين على ضرورة صلة الأرحام، قال تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:75]، ويقول تعالى: ﴿اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:1]، وإنَّ المقصود من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد:21] هو صِلةُ الرَّحِم.

فصلة الأرحام لها فوائدُ عديدةٌ، مِن أبرزِها أنَّها تُزكِّي الأعمال، وتُنمِّي الأموال، وتدفع البلوى، وتُيسِّر الحساب، وتُنسئُ في الأجل، وتُطيل في العمُر، وتَزيد التلاحمَ الأسريَّ والعائليَّ، والشعورَ بالراحة النفسية، وهو ما ينعكس إيجابًا في صناعة أجواء اجتماعيةٍ متماسِكة.

ومِن جهةٍ أخرى، تُحذِّر التعاليم الدينية مِن قطيعة الأرحام، يقول تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:22 ]، وقد ورَد عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَقَاطِعُ رَحِمٍ وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ» [رواه أحمد في مُسنَدِه].

لذلك؛ يجب على المؤمنين الالتفاتُ إلى صلة أرحامهم، وتجاوزُ ما قد يحدث أحيانًا من سوءِ فهمٍ يُؤدِّي إلى القطيعة والتدابُر؛ فشهر رمضان المبارك فرصة رائعة لصلة الأرحام، وتقوية الأواصر العائلية، وحلِّ الخِلافات بالتواصل والتزاور والانفتاح، والمطلوب هو إحداثُ تغيير حقيقيِّ في التواصل العائليِّ في هذا الشهر المبارك، بمزيدٍ من التواصل، والتزاور، والتحابُب، ويجب أن لا تشغلَنا همومُنا وأعمالُنا اليوميةُ عن صلة أرحامنا.

  • ثانياً: التواصل الاجتماعيّ:

إنَّ كثرة الأعمال، أو زحمةَ الأولويات يجب أنْ لا تَحُولَ بيننا وبين التواصل الاجتماعيِّ معَ الناس.

لقد أصبح مرض القطيعة والعُزلة عن الناس مِن الأمراض الاجتماعية الآخذةِ بالانتشار، وهذا ما ينبغي الانتباهُ إليه؛ لأنَّ هذا المرضَ إذا استفحلَ سيُؤدِّي إلى أضرار كبيرة في بنيةِ المجتمع وقوَّتِه.

وفي تعاليم الإسلام وتوصياتِه التأكيدُ المستمرُّ على التواصل والتزاور والتعارف بين الناس، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:13]، والتعارف لا يتِمُّ إلَّا مِن خِلالِ التواصُلِ والتداخُل.

ومِن مَصاديقِ التواصل الاجتماعيِّ التزاورُ بين الناس، فالزيارة تُنبِتُ المودَّة، وفيها إثراءٌ للمَعارِف العقلية، قال الإمامُ عليٌّ رضي اللهُ عنه: “لقاءُ الإخوانِ مَغنمٌ جَسيمٌ وَإنْ قَلُّوا”، ومِن مصاديقِه أيضًا المشاركةُ في أفراح المؤمنين وأتراحِهم، والحضورُ الاجتماعيُّ في كلِّ المناسبات العامَّة.

وشهر رمضانَ المبارك مِن أفضل الأوقات لتعميق التواصل الاجتماعيِّ، ومشاركةِ الناس في مناسباتِهم الخاصَّةِ والعامة؛ وعلينا أن نُحييَ هذه القيمةَ الدينية.

  • ثالثاً: التكافل الاجتماعي:

مِن سِمات المجتمع القويِّ والمتماسكِ سِمةُ التكافلِ الاجتماعيِّ، وهو ما يَعني قيامَ المُقتدِرين ماليًّا بتقديم يد العون والمساعدة للضعفاء مِن الفقراء والأيتام والمرضى.

ودينُنا يَحُثُّ ويُحرِّضُ على القيام بمساعدة الفقراء، والأيتام، والمُحتاجين، والمُعوَزين، والمُعوَّقين، والمرضى ومعاونتِهم ودعمِهم؛ فقد حَثَّ ربُّنا سبحانَه وتعالى على مساعدة الأيتام والمساكينِ والمُحتاجين، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة:177]. ويقولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ»، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ يَعْنِي السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى [رواه البخاريُّ].

والتكافل الاجتماعيُّ مهمٌّ جدًّا؛ لأنَّه يقضي على الفقر والجهل والمرض؛ فمساعدةُ الفقراء والمساكينِ والمحتاجين، وتلبيةُ مستلزماتِهم الأساسيةِ مِن مَأكَلٍ، ومَشرَبٍ، ومَلبَسٍ، ومَسكَنٍ، ومَنكَحٍ يُعدُّ مِن الحاجات الأساسية التي يجب أنْ تكونَ مِن أولوياتِ العمل التطوُّعيِّ.

إنَّ الاهتمامَ بالفقراء والمُحتاجين في هذا الشهر الشريف، ومساعدتَهم مادِّيًّا ومعنويًّا، وتلبيةَ بعضِ مُتطلَّباتِهم، وتحقيقَ بعضِ حوائجِهم مِن أفضلِ الأعمال، وأنبلِ الصفات التي يجبُ القيامُ بها، قال رسولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَن كانَ لَهُ فَضْلٌ مِن زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لا زَادَ لَهُ». قال الصحابيُّ: فَذَكَرَ مِن أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأحدٍ مِنَّا في فَضْلٍ [رواه مسلم].

ومتَّى يتحقَّقُ التكافل الاجتماعيُّ فإنَّ المجتمع سينعمُ بالاستقرار والأمنِ الاجتماعيِّ، وسيشعر الجميعُ بالسعادة، وستقْوى أعمدةُ البُنيانِ الاجتماعيِّ العامِّ.

  • رابعاً: العطاء الاجتماعيّ:

يتسابق المؤمنون المخلصون في شهر الله إلى العطاء والفاعلية، والقيامِ بأدوار اجتماعية كبيرة، وتحمُّلِ المسؤوليات الدينية والاجتماعية.

ومجتمعُنا -كأيِّ مجتمعٍ آخرَ- بحاجةٍ مستمرَّةٍ للعطاء الاجتماعيِّ العامِّ مِن كلِّ أفرادِه، فكلُّ واحدٍ منَّا يستطيع أنْ يُساهمَ بجزءٍ في مسيرة التقدُّم والتطوُّرِ الاجتماعيِّ، والمجتمعُ بحاجةٍ إلى أناسٍ يعملون أكثرَ مِمَّا يتكلَّمون، ويُبادِرون أكثرَ مِمَّا ينتقدون، ويتسابقون في العطاء أكثرَ مِمَّا يتسابقون في الهروب مِن تحمُّلِ المسؤولية.

وقال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوف» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ» [رواه البخاري].

وشهر رمضانَ مُنعطَفٌ مهمٌّ في حياتِنا الاجتماعية نحو التغيير للأفضل، وتحمُّلِ أعباء المسؤولية الاجتماعية، والمطلوبُ هو أنْ نُحدِثَ تغييرًا حقيقيًّا في مسيرتِنا الاجتماعية بتقديم كلِّ فرد مِن أفراد المجتمع ما يستطيعُ مِن خِدماتٍ وطاقاتٍ ومواهبَ؛ لتنصهرَ في النهاية في بَوتَقةِ المجتمع الواحدةِ؛ لنُنيرَ الدربَ؛ كي ينموَ المجتمع نُمُوًّا حقيقيًّا في مُختلِفِ المَجالات.

  • ثانياً: قيمة التعاون:
  • أولاً: تعريف التعاون:

قال الشيخُ عبدُ الرحمن بنُ ناصر السعديُّ رحِمه الله: الإعانةُ هي الإتيانُ بكلِّ خَصلةٍ مِن خِصالِ الخير المأمورِ بفعلِها، والامتناعُ عن كلِّ خِصلةٍ مِن خِصالِ الشرِّ المأمورِ بتركِها؛ فإنَّ العبدَ مأمورٌ بفعلِها بنفسِه وبمُعاوَنةِ غيرِه عليها مِن إخوانِه المسلمين بكلِّ قول وفعل يَبعثُ عليها.

وقال الشيخُ محمَّدُ بنُ صالحِ بنِ عُثَيمينَ رحِمه اللهُ: التعاونُ معناه التساعُدُ، وأنْ يُعينَ الناسُ بعضَهم بعضًا على البِرِّ والتقوى، فالبِرُّ: فعلُ الخير، والتقوى: اتِّقاءُ الشرِّ، وذلك أنَّ الناسَ يعملون على وجهين: على ما فيه الخيرُ، وعلى ما فيه الشرُّ، فأمَّا ما فيه الخيرُ فالتعاونُ عليه أنْ تُساعدَ صاحبَك على هذا الفعل، وتُيسِّرَ له الأمرَ سواءٌ أكان هذا مِمَّا يتعلَّقُ بك أو بغيرِك، وأمَّا الشرُّ فالتعاونُ فيه بأنْ تُحذِّرَ مِنه، وأنْ تَمنعَ مِنه ما استطعتَ، وأنْ تُشيرَ على مَن أراد أنْ يفعلَه بتركِه.

  • ثانياً: أهمِّية التعاون:
  1. التعاون علي البِرِّ لا على الإثم:

قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المجادلة: 9].

  1. التعاون مِن صفات المؤمنين:

يقول الحقُّ تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71].

وفي الحَديثِ قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّعُهُمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ، لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» [رواه أبو داود والنَّسائيُّ وابنُ ماجة وأحمدُ، وصحَّحه الألبانيُّ].

قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُومًا» فقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُول اللَّه، أَنْصرهُ إِذَا كَانَ مَظلُوماً، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ظَالِماً كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قال: «تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنعُهُ مِنَ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذلِك نَصْرُهْ» [رواه البخاريُّ].

  1. التشاور في الأمور:

قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].

قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].

  • ثالثًا: أقسام الناس في التعاون:

يُقسِّمُ الماوِرديُّ -رحِمه اللهُ- الناسَ باعتبارِ ما يُقدِّمونه مِن مُعاونةٍ وما يُحقِّقونه مِن معاني الأُخوَّةِ والتعاون إلى أقسامٍ أربعةٍ:

الأول: مَنْ يُعِينُ وَيَسْتَعِينُ.

الثاني: مَنْ لَا يُعِينُ وَلَا يَسْتَعِينُ.

الثالث: مَنْ يَسْتَعِينُ وَلَا يُعِينُ.

الرابع: مَنْ يُعِينُ وَلَا يَسْتَعِينُ.

ثُمَّ قال: فَأَمَّا الْمُعِينُ وَالْمُسْتَعِينُ فَهُوَ مُعَاوِضٌ مُنْصِفٌ يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ، وَيَسْتَوْفِي مَا لَه، فَهُوَ الْقُرُوضُ يُسْعِفُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَيَسْتَرِدُّ عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ، وَهُوَ مَشْكُورٌ فِي مَعُونَتِهِ، وَمَعْذُورٌ فِي اسْتِعَانَتِهِ. فَهَذَا أَعْدَلُ الْإِخْوَانِ.

وَأَمَّا مَنْ لَا يُعِينُ وَلَا يَسْتَعِينُ فَهُوَ متروكٌ أو مُنَازِلٌ، قَدْ مَنَعَ خَيْرَهُ، وَقَمَعَ شَرَّهُ. فَهُوَ لَا صَدِيقٌ يُرْجَى، وَلَا عَدُوٌّ يُخْشَى.

وَقَدْ قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “التَّارِكُ لِلْإِخْوَانِ مَتْرُوكٌ”. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَهُوَ كَالصُّورَةِ الْمُمَثَّلَةِ يَرُوقُك حُسْنُهَا، وَيَخُونُك نَفْعُهَا، فَلَا هُوَ مَذْمُومٌ لِقَمْعِ شَرِّهِ، وَلَا هُوَ مَشْكُورٌ لِمَنْعِ خَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ بِاللَّوْمِ أَجْدَرَ.

وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:

وَأَسْوَأُ أَيَّامِ الْفَتَى يَوْمُ لَا يُرَى * لَهُ أَحَدٌ يُزْرِي عَلَيْهِ وَيُنْكِرُ

غَيْرَ أَنَّ فَسَادَ الْوَقْتِ وَتَغَيُّرَ أَهْلِهِ يُوجِبُ شُكْرَ مَنْ كَانَ شَرُّهُ مَقْطُوعًا، وَإِنْ كَانَ خَيْرُهُ مَمْنُوعًا، كَمَا قَالَ الْمُتَنَبِّي:

إنَّا لَفِي زَمَنٍ تَرْكُ الْقَبِيحِ بِهِ * مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ إحْسَانٌ وَإِجْمَالُ

وَأَمَّا مَنْ يَسْتَعِينُ وَلَا يُعِينُ فَهُوَ لَئِيمٌ كَلٌّ، وَمَهِينٌ مُسْتَذَلٌّ، قَدْ قَطَعَ عَنْهُ الرَّغْبَةَ، وَبَسَطَ فِيهِ الرَّهْبَةَ، فَلَا خَيْرُهُ يُرْجَى، وَلَا شَرُّهُ يُؤْمَنُ. وَحَسْبُك مَهَانَةً مِنْ رَجُلٍ مُسْتَثْقِلٍ عِنْدَ إقْلَالِهِ، وَيَسْتَقِلُّ عِنْدَ اسْتِقْلَالِهِ، فَلَيْسَ لِمِثْلِهِ فِي الْإِخَاءِ حَظٌّ، وَلَا فِي الْوِدَادِ نَصِيبٌ.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: شَرُّ مَا فِي الْكَرِيمِ أَنْ يَمْنَعَك خَيْرَهُ  وَخَيْرُ مَا فِي اللَّئِيمِ أَنْ يَكُفَّ عَنْك شَرَّهُ.

وَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ:

عَذَرْنَا النَّخْلَ فِي إبْدَاءِ شَوْكٍ * يَرُدُّ بِهِ الْأَنَامِلَ عَنْ جَنَاهُ

فَمَا لِلْعَوْسَجِ الْمَلْعُونِ أَبْدَى * لَنَا شَوْكًا بِلَا ثَمَرٍ نَرَاهُ

وَأَمَّا مَنْ يُعِينُ وَلَا يَسْتَعِينُ فَهُوَ كَرِيمُ الطَّبْعِ، مَشْكُورُ الصُّنْعِ. وَقَدْ حَازَ فَضِيلَتَيْ الِابْتِدَاءِ وَالِاكْتِفَاءِ، فَلَا يُرَى ثَقِيلًا فِي نَائِبَةٍ، وَلَا يَقْعُدُ عَنْ نَهْضَةٍ فِي مَعُونَةٍ. فَهَذَا أَشْرَفُ الْإِخْوَانِ نَفْسًا وَأَكْرَمُهُمْ طَبْعًا. فَيَنْبَغِي لِمَنْ أَوْجَدَهُ الزَّمَانُ مِثْلَهُ -وَقَلَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ؛ لِأَنَّهُ الْبَرُّ الْكَرِيمُ وَالدُّرُّ الْيَتِيمُ- أَنْ يَثْنِيَ عَلَيْهِ خِنْصَرَهُ، وَيَعَضَّ عَلَيْهِ نَاجِذَهُ، وَيَكُونَ بِهِ أَشَدَّ ضَنًّا مِنْهُ بِنَفَائِسِ أَمْوَالِهِ، وَسَنِيِّ ذَخَائِرِهِ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْإِخْوَانِ عَامٌّ وَنَفْعَ الْمَالِ خَاصٌّ، وَمَنْ كَانَ أَعَمَّ نَفْعًا فَهُوَ بِالْادِّخَارِ أَحَقُّ.

  • رابعاً: أنواع التعاون:
  1. تعاون اجتماعيّ:

ودليلُه ما فعله النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين جعل أولَ أعماله في المدينة بعد الهجرة المُؤاخاةَ بين المهاجرين والأنصار، مِصداقًا لقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وقولِه تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، وقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمْ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى ورَسُولِه» [رواه أحمدُ في المُسنَدِ، وصحَّح إسنادَه الشيخُ أحمد شاكر]. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وشَبَّكَ أصَابِعَه.

  1. تعاون علميّ:

قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَن سُئِلَ عَن عِلمٍ فَكَتَمَهُ أُلجِمَ يَومَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ» [رواه ابنُ ماجة وصحَّحه الألبانيُّ].

  1. تعاون سياسيُّ:

قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [رواه البخاريُّ]، وقال: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُرَدُّ عَلَى أَقْصَاهُمْ» [رواه أبو داود وصحَّحه الألبانيُّ].

  1. تعاون دفاعيّ:

مِصداقُه قولُه تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41].

  1. تعاون أخلاقي:

قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ, فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا, وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا, فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِن الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ, فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا, فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا, وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» [رواه البخاريُّ].

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم]، وهذا أيضًا من التكافل والتعاون على الإصلاح والتغيير إلى الأحسن والأفضل.

  1. التعاون الجنائيّ:

فمن الثابت في الفقه الإسلامي أن يقومَ بيتُ مالِ المسلمين بدفع دِيَةِ القتيل لأوليائه إذا لم يستطع أولياءُ القاتل دفعَها، فإذا لم يقدر بيت المال على ذلك أو لم يكن هناك بيتُ مالٍ للمسلمين قام عامَّةُ المسلمين بدفعِها لأولياءِ القَتيلِ، فهذا تعاونٌ وتكافلٌ لا يُعرَف له نظيرٌ في الدنيا كلِّها إلَّا في دينِ الإسلام العظيم، فالحمدُ لله ربِّ العالَمين.

  1. التعاون التعبُّديّ:

فما تجهيزُ الميْتِ وصلاةُ الجنازة عليه ودفنُه بعد ذلك إلَّا تكافل وتعاون جعله الإسلامُ فرضًا من الفروض الواجبة.

  1. التعاون الأدبيّ:

وهو معنى أستشعرُه مِن قول النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [السلسة الصحيحة]. ومعنى هذا أنْ تفرحَ لفرحي، وتحزنَ لحزني، وتمدَّ يدَ معونتِك لي عند احتياجي إليك، وتُرشدَني إذا غويتُ، وتهديَني إذا ضللتُ، وتحفظَ مالي وعِرضي غائبًا وحاضرًا، وتُحِبَّ لي ما تُحِبُّ لنفسك، وتكرهَ لي ما تكرهُ لها.

  1. التعاون الحضاريّ:

 إنَّه التعاونُ معَ كلِّ إنسانٍ -كائنًا مَن كان- على إرساء القيم الأخلاقية والحضارية التي تقومُ عليها نهضةُ الأمم والشعوب، وهو مِصداقُ قولِ الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، والآية مُوجَّهةٌ إلى كلِّ الناس للتعاون معَ كلِّ الناس.

  • خامساً: صور التعاون:
  • التعاون على إقامة العبادات:

قال الإمامُ أحمدُ رحِمه اللهُ: “فانظروا -رحِمكم اللهُ- واعقِلوا، وأَحكِموا الصلاةَ، واتَّقوا اللهَ فيها وتعاونوا عليها وتناصحوا فيها بالتعليم مِن بعضِكم لبعضٍ، والتذكيرِ مِن بعضِكم لبعضٍ مِن الغفلة والنِّسيان؛ فإنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- قد أمَرَكم بأنْ تعاونوا على البِرِّ والتَّقوى، والصلاةُ أفضلُ البِرِّ) أهـ.

  • التعاون في طلب العلم:

فعَنْ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي اللهُ عنه قَالَ: “كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.. الحديث” [رواه البخاريُّ]. وفي روايةٍ: “إِذَا غَابَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدْتُهُ أَتَيْتُهُ بِمَا يَكُونُ”، وجارُه هذا اسمُه أوسُ بنُ خَوْليٍّ رضي اللهُ عنه.

وقد تَعرِضُ لطالبِ العلم ضائقةٌ خلالَ طلبِه، فيهبُّ إخوانُه لمُعاوَنتِه: فعن عُمَرَ بْنَ حَفْصٍ الْأَشْقَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ الْبُخَارِيِّ بِالْبَصْرَةِ نَكْتُبُ الحَدِيثَ، فَفَقَدْنَاهُ أَيَّامًا، ثُمَّ وَجَدْنَاهُ فِي بَيْتٍ وَهُوَ عُرْيَانُ، وَقَدْ نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَجَمَعْنَا لَهُ الدَّرَاهِمَ، وَكَسَوْنَاهُ.

  • تعاون في الدعوة:

فقد طلب موسى عليه السلام مِن ربِّه أن يكون أخوه النبيُّ هارونُ وزيرًا مساعدًا له في تبليغ دعوة ربِّه، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: 25-32].

  • التعاون بين الزوجين:

قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، ألم تسمع إلى سيرة النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلقد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، وَكَانَ يَخْدُمُ نَفْسَهُ، فَعَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: مَاذَا كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ؟! قَالَتْ: “كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ” [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ].

وَلِلْحَدِيثِ شَاهِدٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، سَأَلَهَا رَجُلٌ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟! قَالَتْ: “نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ مَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ”، وفي روايةٍ: “وَيَقُمُّ البَيْتَ”.

هذا هو رسولُك القُدوةُ الحسنةُ، فعلى رُوحِ التعاونِ الأُسريِّ تقوم البيوتُ العامرة.

  • التعاون بين المسلمين:

في الحديثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [السلسلة الصحيحة].

وعن أَبي هُرَيرةَ رضِي اللهُ عنه عن النبيِّ ﷺ قَالَ:  «مَنْ نَفَّس عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبةً منْ كُرب الدُّنْيا نفَّس اللَّه عنْه كُرْبةً منْ كُرَب يومِ الْقِيامَةِ، ومَنْ يسَّرَ عَلَى مُعْسرٍ يسَّرَ اللَّه عليْهِ في الدُّنْيَا والآخِرةِ، ومَنْ سَتَر مُسْلِمًا سَترهُ اللَّه فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، واللَّه فِي عَوْنِ العبْدِ مَا كانَ العبْدُ في عَوْن أَخيهِ» [رواه مسلمٌ]، وقال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوف» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ».

  • إماطة الأذى:

قَالَ النَّبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أعْمالُ أُمَّتي حسَنُهَا وسيِّئُهَا، فوجَدْتُ في مَحاسِنِ أعْمالِهَا الأذَى يُماطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوجَدْتُ في مَساوَىءِ أعْمالِها النُّخَاعَةُ تَكُونُ فِي المَسْجِدِ لاَ تُدْفَنُ» [رواه مسلمٌ].

  • التعاون في التأليفِ بين قلوب المسلمين والإصلاحِ فيما بينَهم:

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى قَالَ: «صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» [رواه أبو داود والترمذيُّ وابنُ حِبَّانَ، وصحَّحه الشيخُ الألبانيُّ رحِمه اللهُ]. 

  • النصح للناس عامَّةً:

فمثلًا لو أنَّك تركَبُ مركبةً، وأخوك يركب مركبةً تسير أمامَك، ورأيتَ دُخاناً يخرُجُ مِن عجلتِها الخلفية، وهي على وشْكِ أنْ تحترقَ، لقد نسي المِكبَحَ مرفوعاً، هل تبقى صامتاً أم تسبقُه وتشيرُ إليه؟! هل يمكنُ أن ترى أخاك على شفا جُرُفٍ هارٍ سينهارُ بعد قليلٍ وتبقى صامِتاً؟!

التعاون له معنى إيجابيٌّ وله معنى سلبيٌّ، فأنْ تُشيرَ إلى الخطر فهذا مِن التعاون، أنْ تأمرَ بالمعروف هذا مِن التعاون، أنْ تنهى عن المُنكَرِ هذا مِن التعاون، أنْ تُعينَ الرجُلَ في دابَّتِه، فتحملُه عليها، هذا مِن التعاون، أنْ تحملَ له حاجتَه عليها هذا مِن التعاون، أنْ تُميطَ الأذى عن الطَّريقِ هذا مِن التعاون.

  • سادساً: نماذج التعاون:
  1. تعاون في بناء المسجد الأوَّل:

كانت أوَّلَ خُطوةٍ خطاها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعد الهجرة هي إقامةُ المسجد النبَويِّ، ففي المكان الذي برَكت فيه ناقتُه أمَر ببناء هذا المسجد، واشتراه مِن غُلامَينِ يتيمين كانا يَملِكانِه، وساهمَ في بنائِه بنفسِه، فكان ينقلُ اللَّبِنَ والحِجارةَ ويقولُ: «اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ، فاغفِرْ للأنصارِ والمُهاجِرَهْ».

  1. النبيُّ محمد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:

كان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُشارِكُ الصحابةَ في حفرِ الخَنْدَقِ، يقول البراءُ بنُ عازِبٍ رضِي اللهُ عنه: “لَمَّا كانَ يَوْمُ الأحْزَابِ، وخَنْدَقَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِن تُرَابِ الخَنْدَقِ، حتَّى وارَى عَنِّي الغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ، وكانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ، فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وهو يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يقولُ: «اللَّهُمَّ لَوْلَا أنْتَ ما اهْتَدَيْنَا… ولَا تَصَدَّقْنَا ولَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا… وثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا، إنَّ الأُلَى قدْ بَغَوْا عَلَيْنَا… وإنْ أرَادُوا فِتْنَةً أبيْنَا»، قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بآخِرِهَا”، لم يتكبَّر رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على أصحابِه، بل تعاوَنَ معَهم في أشدِّ اللحظات وأصعبِ الأمور، فما أعظمَه مِن قائدٍ!!

  1. سيدنا إبراهيم عليه الصلاةُ والسلامُ:
  • حينمَا أمرَهُ ربُّهُ ببناءِ الكعبةِ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ. قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ. قَالَ: وتُعينُني؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتاً. وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يأتي بِالْحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ وَهْوَ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولاَنِ ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:127] [رواه البُخارِيُّ].
  • في الذَّبْحِ عاوَنَ ابنَه على طاعة الله، فقد كان في إمكانِه أنْ يذبَحَه فجأةً، ولكن ليُربِّيَه ويُشارِكَه في الأجرِ عاوَنَه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافَّات:102].
  1. انتصار نبيِّ الله موسى على فرعون:

قال بنو إسرائيلَ وقتَ انتصار موسى على السحَرةِ، وتوعُّدِ فرعونَ لهم بالعذابِ في أُولى جولات الحقِّ والباطل كما قال تعالى في كتابِه العزيز: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:129]، فنحن في وقتِ العمل، بل دقِّقْ معي في قولِ الله (كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، قال (كيف) ولم يقُلْ (ماذا تعملون).

  1. مساعدة ذي القَرْنَينِ للضعفاء:

قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:94-97].

  1. أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ رضي اللهُ عنهما:

قالت أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ رضي اللهُ عنهما: “كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ، وَكُنْتُ أَسُوسُهُ، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ، كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ، وَأَقُومُ عَلَيْهِ وَأَسُوسُهُ”، وما رواهُ الشَّيخانِ عنها قالَتْ: “تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ فَرَسِهِ، قَالَتْ: فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَكْفِيهِ مَئُونَتَهُ وَأَسُوسُهُ، وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ وَأَعْلِفُهُ، وَأَسْتَقِي المَاءَ وَأَخْرُِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ، وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ وَكَانَ يَخْبِزُ لِي جَارَاتٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، قَالَتْ: وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّمَ عَلَى رَأْسِي وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ”.

  1. فاطمةُ الزَّهراءُ بنت رسول الله:

فاطمةُ الزَّهراءُ بنتُ سيِّدِ الخَلْقِ وحبيبِ الحقِّ، سيِّدةُ نساءِ العالَمين كانت تخدُمُ زوجَها عليًّا -كرَّم اللهُ وجهَه- وتقومُ بشؤون بيتِه، من طَحنٍ، وعَجينٍ وخَبزٍ وإدارةِ الرَّحى، حتَّى أثَّرَ هذا في يدَيْها، وقد ذهبَتْ هي وزوجُها إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تشكُوه الخِدمةَ، فحكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابنتِه بالخدمةِ الباطنة (خدمة البيت)، وحكَمَ على زوجِها عليٍّ بالخدمةِ الظاهرة (الخدمة خارجَ البيت).

قال ابنُ حَبيبٍ: الخِدمةُ الباطنةُ الطَّحنُ، والطَّبخُ، والفَرشُ، وكَنسُ البيتِ، واستِقاءُ الماءِ، وعمَلُ البيتِ كلُّه.

  1. معونة أهلِ مِصْرَ لِعُمَرَ بنِ الخطَّابِ:

أورَدَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ في “البداية والنهاية”: أَنَّ عُمَرَ عَسَّ الْمَدِينَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَضْحَكُ، وَلَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ عَلَى الْعَادَةِ، وَلَمْ يَجِدْ سَائِلًا يَسْأَلُ، فَسَأَلَ عَنْ سَبَبٍ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ السُّؤَّالَ سَأَلُوا فَلَمْ يُعْطَوْا فَقَطَعُوا السُّؤَالَ، وَالنَّاسُ فِي هَمٍّ وَضِيقٍ، فَهُمْ لَا يَتَحَدَّثُونَ وَلَا يَضْحَكُونَ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى بِالْبَصْرَةِ: أَنْ يَا غَوْثَاهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ. وَكَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِمِصْرَ: أَنْ يَا غَوْثَاهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَافِلَةٍ عَظِيمَةٍ تَحْمِلُ الْبُرَّ وَسَائِرَ الْأَطْعِمَاتِ.

نلمَحُ مِن هذا الموقف أنَّ عُمَرَ -وما أدراك ما عُمَرُ؟!- أُصِيبَ الناسُ وهُمْ تحتَ إمرتِه وحُكمِه بالمَجاعةِ، فلم يكن عيبًا لا في عُمَرَ ولا في حُكمِه، وقد كان يحكُمُ بالإسلامِ والشرعِ، وإنَّما هي حِكمةُ الله في عِبادِه، ففي ظلِّ الحقِّ والصواب قد نُصابُ بالمصائبِ والنقصِ والابتلاءات، وتكونُ نعمةً مِن الله على عِبادِه وقتَئذٍ.

  1. قصة عن التّعاون في الزَّمن الماضي:

كانت هناك سيِّدة، وكان لها ابنٌ وحيدٌ، تعيش معه أجملَ اللَّحظات، فحياتُهما كانت مليئةً بالسَّعادة والهناء، وفي يومٍ مِن الأيّام جاء قدَرُ هذا الولدِ ومات، فحزِنت السيِّدةُ حزناً شديداً على موت وحيدِها، وعاشت بتعاسةٍ كبيرة، وعلى الرَّغم مِن ذلك بقي الأملُ يُراوِدُها ولم تيأس، فهي تعتقد بأنَّه لا بُدَّ مِن وجود طريقة تُعيدُ ابنَها للحياة، فذهبَتْ إلى مُختارِ القرية، وأخبرَتْه قصَّتَها، وأنَّها مُستعِدَّةٌ لتطبيق أيِّ وصفةٍ لتعيد ابنَها إلى الحياة. فكَّر المُختارُ مَلِيًّا بقول السيِّدة، وأجابَها بأنَّه سيُعطيها وصفةً جيِّدة شَريطةَ أنْ تُحضِرَ له حبَّةَ خَرْدَلٍ مِن بيتٍ لم يطرُق الحزن بابَه مُطلَقًا. فرِحت السيِّدةُ لاستجابة المُختارِ لها، وبدأت تدورُ على كلِّ بيتٍ في القرية؛ باحِثةً عن هدفِها. طرَقت السيِّدة أوَّلَ بابٍ، ففتحت لها امرأةٌ في مُقتبلِ العمُر، فسألَتْها السيِّدةُ إن كان بيتُها قد عرَف الحزنَ يومًا، ابتسمت المرأةُ ابتسامةً خفيَّةً مُجيبةً: وهل عرَف بيتي هذا إلَّا كلَّ الحُزنِ؟!! وبدأت تسردُ لها أنَّ زوجَها قد تُوُفِّي منذ سنتين، و ترك لها أولادًا، وأنَّها تُعاني في الحصولِ على قُوتِ يومِهم لدرجةِ أنَّهم أصبحوا يلجؤُونَ إلى بيعِ أثاثِ منزلِهم المُتواضِعِ؛ مِن أجلِ كسبِ المالِ. بعد أنْ أنهَت السيِّدةُ زيارتَها الطَّويلةَ في أوَّلِ بيتٍ، دخلَتْ بيتًا آخرَ سائِلةً عن الطَّلبِ نفسِه، وإذ بسيِّدةِ الدَّارِ تُخبِرُها بأنَّ زوجَها مريضٌ جدًّا، وليس عندها مِن الطَّعامِ ما يكفي لأطفالِها منذ فترة، فقامَت بمُساعَدةِ السيِّدةِ، وذهبَتْ إلى السُّوقِ؛ لتشتريَ طعاماً لها وأطفالِها وزوجِها المريضِ، وأخذَتْ تدخُلُ بيتاً تِلْوَ الآخرِ باحثةً عن البيت السعيد، لكنَّ جميعَ مُحاوَلاتِها باءَتْ بالفشل، لكن مِمَّا يجدُرُ ذِكرُه أنَّ تلك السيِّدةَ كانت لطيفةً معَ أهالي كلِّ البُيوتِ التي طرَقتْ أبوابَها، وقد حاوَلتْ أنْ تُساعِدَ كلَّ بيتٍ في أنْ تُخفِّفَ عَنهم أسبابَ حُزنِهم، وذلك عن طريق مساندتِهم بحاجاتِهم قدْرَ المُستَطاعِ، ومعَ مرور الأيَّامِ أصبحَت السيِّدة صديقةً لبيوت القرية جميعِها، وأدَّى هذا إلى أنَّها نسِيَتْ تماماً هدفَها، وهو البحثُ عن حبَّة الخَرْدَلِ مِن أيِّ بيتٍ سعيدٍ لم يعرِف الكآبةَ أو الحزنَ، وانصهَرت السيِّدةُ في مشاعرِ الآخرين ومُشكلاتِهم ناسيةً حزنَها دون أنْ تُدرِكَ أنَّ مُختارَ القرية قد تعاوَن معَها في منحِها أفضلَ وصفةٍ للقضاء على الحزن حتَّى ولو لم تجِدْ حبَّةَ الخَرْدَلِ الّتي كانَت تبحَثُ عنْها.

  • سابعاً: خطورة التفرُّق:
  • التفرِقة أساسُ الفشل:

قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

  • خوف النَّبِيِّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ على أُمَّتِه مِن الدنيا:

روى البُخاريُّ ومسلمٌ أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَعَثَ أبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ إلى البَحْرَيْنِ يَأْتي بجِزْيَتِهَا، وكانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَالَحَ أهْلَ البَحْرَيْنِ وأَمَّرَ عليهمُ العَلَاءَ بنَ الحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أبو عُبَيْدَةَ بمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأنْصَارُ بقُدُومِ أبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الفَجْرِ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا له، فَتَبَسَّمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «أظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أنَّ أبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بشيءٍ» قالوا: أجَلْ يا رَسولَ اللَّهِ، قَالَ: «فأبْشِرُوا وأَمِّلُوا ما يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ».

  • التحذير مِن التفرِقة

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: 130]، وقال أيضًا: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32].

وروَى البُخاريُّ ومسلمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى اليَمَنِ فَقَالَ: «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا».

  • التفرِقة مِن الشَّيطان

وروَى مسلمٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ».

  • الخروج مِن المِلَّة

وروى مسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ».

وصلى اللهُ وسلَّم على نبيِّنا وحبيبِنا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى