الأسرة المسلمة

قيمة الصدق والتثبت

أولاً: قيمة الصدق

  • تعريفه:

الصدق هو الخبر عن الشيء على ما هو به، وهو نقيضُ الكذب، قال القُرْطُبِيُّ: الصِّدِّيق هو الذي يُحقِّق بفعلِه ما يقولُه بلسانِه.

  • مكانته:

الصدق مطلب أساس في حياة المؤمن، وهو رأس الفضائل، وعُنوان الصلاح والفضل، أثنى الله تعالى على مَن لزِمه فصار له خُلُقًا، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:19].

يتميَّز بالصدق أهلُ النفاق من أهلِ الإيمان، وسُكَّانُ الجِنان مِن أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وُضع على شيء إلا قطَعه، ولا واجه باطلًا إلا أرداه وصرَعه، مَن اعتمده سما قدْرُه وارتفعت مكانتُه، ومَن نطق به علَتْ على الخصوم كلمتُه وظهرت حُجَّتُه، أمر الله تعالى به؛ فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:119].

أخرج البخاريُّ ومسلمٌ -واللفظ له- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا».

عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي اللهُ عنهما أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ» رواه أحمدُ وابنُ أبي الدنيا والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ بأسانيدَ حسنةٍ.

قال أبو بكرٍ الصدِّيقُ رضي الله عنه: “الصدقُ أمانةٌ، والكذِبُ خِيانةٌ”.

ولمَّا كان حمْلُ النفس على الصدق في جميع أمورِها شاقًّا عليها، ولا يُمكن لعبدٍ أن يأتيَ به على وجهَه إلا بعون الله وتوفيقِه، أمرَ اللهُ نبيَّه أن يسألَه الصدقَ في المُخرَج والمُدخَل، فقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ [الإسراء:80].

  • الصدق مِن صفات الله عز وجل:

قال سبحانه: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:95]، وقال أيضًا: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:87]، وقال أيضًا: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:122].

  • الصدق مِن صفات الأنبياء والرُّسُل:

قال تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:52].

–   فهذا إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء:83-84] ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:41].

–   وهذان إِسْحَاق وَيَعْقُوب: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم:49-50].

– وهذا إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:54].

–   وهذا إدريس: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:56].

–   وهذا يوسُف: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف:46].

والرسول محمدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أصدقَ الناس وأبرَّهم وأكملَهم علمًا وعملًا وإيمانًا ويقينًا، وكان معروفًا بالصدق في قومه، وقد كان ذلك فيه سجيَّةً وطبْعًا، فعُرف بذلك حتَّى قبل البعثة، وكان لذلك يُلقَّب بالصَّادق الأمين، واشتُهر بهذا بين أقرانه. وبعد البعثة المباركة كان تصديق الوحي له مدعاةً لأن يطلق عليه أصحابُه “الصَّادق المصدوق”، وصدَق الله -عزَّ وجلَّ- إذ قال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:2-4].

أخرج البخاريُّ ومسلمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: «يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ» – لِبُطُونِ قُرَيْشٍ – حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، -وفي رواية: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا- قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:1-2].

والصدق من صفات المتقين؛ قال تعالى: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ [آل عمران:15-17]، وقال أيضًا: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:33].

والصدق مِن صفات الصحابة: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:8]، فهذا أبو بكرٍ الصدِّيقُ رضي الله عنه كان مبالغًا في الصدق وتحرَّاه، فقد أخرج الحاكِمُ عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: “لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ فَمَنْ كَانَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَمِعُوا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟!، قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: أَوَ تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لَأَصُدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَلِذَلِكَ سُمَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ”

وأخرج البخاري عن أَبي الدَّرْدَاءِ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في حقِّ أبي بكرٍ رضي اللهُ عنه: «هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي؟ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي؟ إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقْتَ».

  • مجالات الصدق:
  1. الصدق مع الله:

﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:21] ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:23-24]. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد:19].

الصدق معَ الله يقتضي مِن العبد أنْ يسعى جاهدًا إلى ما يُرضي ربَّه سبحانه، مِن أعمالٍ وأقوالٍ وأحوال؛ قال سُبحانَه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:110]، وقال عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:162-163].

الصدق في الأحوال؛ في النِّيَّات:

وهذا يستلزم أن تكون بواعثُ الأعمال والأقوال كلُّها لله عزَّ وجلَّ، وأن يكون ظاهر العبد مُعبِّرًا عن باطنه، ويقتضي أيضًا حُسنَ الانقياد والإذعان، والخضوع والإخلاص، والخوف والرجاء، والرضا والتوكل، والمحبة والحياء، وإجلالَ الله وتعظيمَه وحدَه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:5].

الصدق في الأقوال:

الصدق في القول يستوجب على المسلم أن يحفظَ لسانَه، فلا يتكلَّمُ إلا بصدق، ولا ينطِقُ إلا بحقِّ، فأحسنُ الكلام ما صدَق فيه قائلُه، وانتفع به سامعُه، أخرج مسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:70]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:152]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:36].

والصدق في القول مطلوب وواجب في الشهادات والتزكيات وغيرِها، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:135].

الصدق في الأعمال؛ ويتحقق بما يلي:

  • العمل بمقتضى العلم الشرعي، كما أخبر سبحانه وتعالى عن شعيب عليه السلام أنَّه قال لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:88]، وقد أنكر سبحانه وتعالى على مَن خالف ما عنده مِن العلم الشرعي، فقال جلَّ وعلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:44]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصفّ:2-3].
  • استواء السريرة والعلانية في الحقِّ، بأن يكون الباطن مثلَ الظاهر، أو خيرًا منه، فتكون الأعمال الصالحة الظاهرة التي يقوم بها المسلم ترجمة صادقة لما هو مستقرٌّ في باطنه، وهذا يستلزم أن يُجاهد الإنسانُ نفسَه لتكون سريرتُه وعلانيتُه واحدةً، وألا تدلَّ أعمالُه الظاهرة على أمر باطنٍ لا يتَّصفُ به حقيقةً، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:11]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران:167].
  • الإتقان في كلِّ عمل صالحٍ يقوم به المسلم؛ بأداء الأعمال والحقوق كاملة مُوَفَّرة، فلا بَخسَ ولا غِشَّ ولا خِداعَ ولا ظُلمَ، فبهذا يُؤدِّي المسلم عملَه على خير وجه، ويُحسِن إلى نفسه فلا يلحقُه تبْعةٌ في عمله، ويُحسِن إلى الآخرين بتوفيتِهم حقوقَهم، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»، وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا».
  1. الصدق مع الخَلْق:

حاجة المجتمع إلى خُلُق الصدق في التعامل بين أفرادِه:

إنَّ العَلاقاتِ الاجتماعيةَ، والمُعامَلاتِ الإنسانيةَ تعتمد على شرف الكلمة وصدقِها، ولولا الثقةُ بشرف الكلمة وصدقِها لانهارَت معظمُ الروابط الاجتماعية بين الناس، ويكفي أنْ نتصوَّرَ أنَّ هناك مجتمعًا قائمًا على الكذب لنُدرِكَ مبلغَ تفكُّكِه وتمزُّقِه، وانعدامِ صورِ التعاون والتلاحم بين أفراده.

أخرج أحمدُ وابنُ ماجة والحاكمُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ؛ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ» قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ، يتكلم فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ».

ما أجملَ أن يكون الصدق مُشاعًا بين الناس، بين الأسر، بين الجيران، في البيوت والمدارس والمؤسسات، في الشوارع والمتاجر والأسواق، في كلِّ مكان، ومعَ كلِّ إنسان.

فواجبٌ على الآباء والأُمَّهات والمربين كافَّةً أن يغرسوا فضيلة الصدق في نفوس الأطفال، حتى يشِبُّوا عليها، وقد ألْفَوْها في أقوالهم وأحوالهم كلِّها.

أخرج أحمد وأبو داود والبيهقيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟» قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ».

وكم مِن الأُمَّهات يكذبْن على أبنائِهنَّ، وكم مِن الآباء يكذبونَ على أبنائِهم، وما علِموا أنَّهم بذلك يغرسون خُلُقَ الكذب في نفوسهم!! فأين الآباءُ والأُمَّهات مِن تربية الأبناء على الصدق، والسيرِ بهم في طريق الصادقين؟!!

  • صفات الصادقين:
  • الصادقون أهل إيمان وإحسان وصبر وتقوى:

قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:177].

  • الصادقون أهل إيمان ويقين ومجاهدة:

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:15].

  • فوائد الصدق:

إذا تمكَّنَ الصدقُ مِن القلب سطَع عليه نورُه، وظهَرت على الصادق آثارُه، في عقيدته وعبادته وسلوكه، ومِن آثارِه وفوائدِه:

  • الصادق خير الناس:

أخرج البَيْهَقِيُّ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ قالَ: قُلْنا يا رسولَ اللهِ، مَن خيرُ الناسِ؟! فقال: «ذُو القلبِ المخمُومِ واللسانِ الصَّادِقِ»، قِيلَ: ما القلبُ المخمُومِ؟ قال: «هو التَّقِيُّ النَّقِيُّ الذي لا إِثْمَ فيه ولا بَغْيَ ولا حَسَدَ». قِيلَ: فَمَنْ على أثَرِهِ؟ قال: «الَّذي يَشْنَأُ الدُّنيا، ويُحِبُّ الآخِرةَ». قِيلَ: فمَنْ على أثَرِهِ؟ قال: «مُؤمِنٌ في خُلُقٍ حَسَنٍ».

وأخرج ابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ». قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لاَ إِثْمَ فِيهِ وَلاَ بَغْيَ وَلاَ غِلَّ وَلاَ حَسَدَ».

  • إجابة الدعاء:

وإدراك الأجر الكثير من الله تعالى وإنْ عجَز العبدُ عن العمل الذي نواه بصدق: أخرج مسلمٌ عن سَهْلِ بْن أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ».

  • حصول البركة في البيع والشراء:

أخرج البخاريُّ ومسلمٌ عن حَكِيم بْن حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».

  • طُمأنينة القلب والنفس:

أخرج الترمذيُّ عن الحسنِ بنِ عليِّ بن أبي طالبٍ رضي اللهُ عنهما، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ»، ومعنى الحديث: اتركْ ما تشُكُّ في حِلِّه، واعدِلْ إلى ما لا تشُكُّ فيه.

  • الرُّقِيّ إلى منازل الأخيار والأبرار والصديقين:

قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:69].

  • الحصول على رِضوان الله:

قال تعالى: ﴿قَالَ اللهُ هَذَا يَوْم يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة:119].

  • ضمان دخول الجنَّة:

أخرج أحمد والبيهقيُّ وابن حِبَّانَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمْ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ».

إخوتي الكرام.. عليكم بالصدق؛ فإنَّ الصدق طريقٌ إلى كلِّ خير، طريق إلى الفوز والفلاح، طريق إلى الأمن والمحبة والاستقرار والنماء، طريق إلى السعادة في الدارين.

واحذروا مِن الكذِب؛ فإنَّه طريقٌ إلى كلِّ شرٍّ وبلاء، وفتنة وداء، طريق إلى الشقاء في الدارين، ومَن عُرف بالكذب ولو مرَّةً واحدةً سقَطت مكانتُه، وقلَّت الثقةُ بحديثِه، فلا يلومَنَّ بعد ذلك إلا نفسَه.

فاللهُمَّ اجعلنا مِن الصادقين، واحشرنا في زمرة الصدِّيقين، وارزق ألسنتَنا الصدقَ، وطهِّرْها مِن الكذب.

ثانياً: قيمة التثبُّت

هذا خُلُق عظيم من أخلاق الإسلام العظيمة؛ أمر به ربُّ العالَمين،  وسنَّه سيِّدُ المُرسَلين، فيه حفظ للأرواح، وصيانة للدِّماء، وحماية لحقوق الأفراد والجماعات، وقطعٌ لدابر الفتنة والصراعات، به يُعرَف الحقُّ مِن الباطل، والصدقُ مِن الكذب، فيما يُروَّج مِن أخبارٍ وإشاعات.

فما أحوجَنا إلى هذا الخلق الكريم!! في زمن تُرمى فيه التُّهَمُ جُزافًا، وتُنقَل فيه الشائعاتُ دون تثبُّتٍ ولا تبيُّنٍ.

  • مفهوم التبيُّن والتثبُّت:

التبيُّن: علم يحصل بعد التباس وغموض، يُقال: تَبيَّنَ في الأمر والرأي، أي: تثبَّت وتأنَّى فيه، ولم يَعجَل.

والتثبُّت: هو التحرِّي والتأكُّد مِن صحَّة الخبر قبل قَبولِه أو نشرِه.

فالمرادُ بالتبيُّن والتثبُّت: التأنِّي والتريَّثُ والبحث عن صحَّة الخبر، وعدمُ العجَلة في نقلِه أو بناء الحُكم عليه قبل تيقُّنِ صحَّتِه.

  • فضل التثبُّت والتبيُّن:

التثبُّت مِن صفات أصحاب العقل والرَّزانة، بخلاف العجلة؛ فإنَّها مِن صفات أصحاب الرُّعونة والطَّيش، والتثبُّت فضيلة، والنقلُ مِن الناس دون تثبُّتٍ رذيلة، والتثبُّتُ دليلٌ على رَجاحة العقل وسلامةِ التّفكير، بخلاف العجَلة التي هي دليلٌ على نقصٍ في العقل وخللٍ في التفكير؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم قَالَ: «التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» أخرجه البيهقيُّ وحسَّنَه الألبانيُّ.

وقولُه (التأني من اللّه): أي التثبُّت في الأمور ممَّا يُحِبُّه اللهُ ويأمر به؛ لما فيه مِن وِقايةٍ للعبد مِن الزلَل والخطأ.

وقولُه (والعجلة من الشيطان): أي مِن إغوائِه ووساوسِه، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: “إِنَّمَا كَانَتِ الْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ لِأَنَّهَا خِفَّةٌ؛ وَطَيْشٌ؛ وَحِدَّةٌ فِي الْعَبْدِ؛ تَمْنَعُهُ مِنَ التَّثَبُّتِ؛ وَالْوَقَارِ؛ وَالْحِلْمِ؛ وَتُوجِبُ وَضْعَ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ وَتَجْلِبُ الشُّرُورَ؛ وَتَمْنَعُ الْخُيُورَ؛ وَهِيَ مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ خُلُقَيْنِ مَذْمُومَيْنِ: التَّفْرِيطِ؛ وَالِاسْتِعْجَالِ قَبْلَ الْوَقْتِ”؛ قَالَ الْحَرَالِّيُّ: وَ”الْعَجَلَةُ” فِعْلُ الشَّيْءِ قُبَيْلَ وَقْتِهِ الْأَلْيَقِ بِهِ؛ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ شَوَاهِدِهِ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا؛ فِي سُنَنِهِ؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ مَرْفُوعًا: “إِذَا تَأَنَّيْتَ؛ أَصَبْتَ؛ أَوْ كِدْتَ؛ وَإِذَا اسْتَعْجَلْتَ؛ أَخْطَأْتَ؛ أَوْ كِدْتَ تُخْطِئُ”.

وقد ذمَّ الإسلامُ العجلةَ ونهى عنها، كما ذمَّ الكسلَ والتباطُؤَ ونهى عنهما، ومدَح الأَناةَ والتثبُّتَ والتبيُّنَ في الأمور، وأمَر بذلك، فقال اللهُ تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ [الحجرات:6]. في قراءة الجمهور (فَتَبَيَّنُوا) من التبيُّن، وهو التأمُّل والتعرُّف والتفحُّص، وفي قراءة حمزةَ والكِسائيِّ: (فتَثبَّتوا)، من التثبُّت، وهو الأَناةُ وعدمُ العجلة، والتبصُّرُ في الأمر الواقع والخبر الوارد حتَّى يتَّضحَ ويظهر.

قال العلَّامة الشيخ عبد الرحمن السعدي رحِمه اللهُ تعالى: “مِن الغلَطِ الفاحش الخَطِر؛ قَبولُ قول الناس بعضِهم في بعض، ثُمَّ يبني عليه السامع حُبًّا وبُغضًا ومدحًا وذمًّا، فكم حصل بهذا الغلط أمورٌ صار عاقبتها الندامة!!، وكم أشاع الناسُ عن الناس أمورًا لا حقائقَ لها بالكُلِّية، أو لها بعضُ الحقيقة فنُمِّيَت بالكذب والزُّور، وبخاصَّةٍ مَن عُرِفوا بعدم المُبالاة بالنقل، أو عُرف مِنهم الهوى، فالواجبُ على العاقل التثبُّتُ والتحرُّزُ وعدمُ التسرُّع، وبهذا يُعرَف دينُ العبد ورزانتُه وعقلُه، وهذا مِنَ الْآدَابِ الَّتِي عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، التَّأَدُّبُ بِهَا وَاسْتِعْمَالُهَا، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَهُمْ فَاسْقٌ بِخَبَرٍ أَنْ يَتَثَبَّتُوا فِي خَبَرِهِ، وَلَا يَأْخُذُوهُ مُجَرَّدًا، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ خَطَرًا كَبِيرًا، وَوُقُوعًا فِي الْإِثْمِ، فَإِنَّ خَبَرَهُ إِذَا جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الصَّادِقِ الْعَدْلِ، حُكِمَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ وَمُقْتَضَاهُ، فَحَصَلَ مِنْ تَلَفِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، بِغَيْرِ حَقٍّ، بِسَبَبِ ذَلِكَ الْخَبَرِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلنَّدَامَةِ، بَلِ الْوَاجِبُ عِنْدَ خَبَرِ الْفَاسِقِ، التَّثَبُّتُ وَالتَّبَيُّنُ، فَإِنْ دَلَّتِ الدَّلَائِلُ وَالْقَرَائِنُ عَلَى صِدْقِهِ، عُمِلَ بِهِ وَصُدِّقَ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى كَذِبِهِ، كُذِّبَ، وَلَمْ يُعْمَلْ بِهِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ، عَلَى أَنَّ خَبَرَ الصَّادِقِ مَقْبُولٌ، وَخَبَرَ الْكَاذِبِ، مَرْدُودٌ، وَخَبَرَ الْفَاسِقِ مُتَوَقَّفٌ فِيهِ، وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَقْبَلُونَ رِوَايَاتِ كَثِيرٍ مِنَ الْخَوَارِجِ، الْمَعْرُوفِينَ بِالصِّدْقِ، وَلَوْ كَانُوا فُسَّاقًا”.

فلا بُدَّ من التثبُّتِ والتبيُّنِ فيما يُروَّجُ من أخبار وشائعاتٍ، فالعاقل لا يعتمد على نُقول الناس وأقوالِهم، فإنَّ تناقُلَ القولِ بين الناس ليس دليلًا على صحتِه.

  • التثبُّت والتبيُّن مِن أخلاق الأنبياء والمرسلين:

سيِّدُنا محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم قدوةٌ حسنةٌ في التثبُّت والتبيُّن:

روى مسلمٌ في صحيحِه عن سُليمانَ بن بُرَيدةَ عن أبيه قال: جَاءَ مَاعِزُ بنُ مَالِكٍ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقالَ: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إلَيْهِ»، قالَ: فَرَجَعَ غيرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إلَيْهِ»، قالَ: فَرَجَعَ غيرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مِثْلَ ذلكَ حتَّى إذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قالَ له رَسولُ اللهِ: «فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟» فَقالَ: مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: «أَبِهِ جُنُونٌ؟» فَأُخْبِرَ أنَّهُ ليسَ بمَجْنُونٍ، فَقالَ: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟» فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ منه رِيحَ خَمْرٍ، قالَ: فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: «أَزَنَيْتَ؟» فَقالَ: نَعَمْ، فأمَرَ به فَرُجِمَ، فَكانَ النَّاسُ فيه فِرْقَتَيْنِ، قَائِلٌ يقولُ: لقَدْ هَلَكَ، لقَدْ أَحَاطَتْ به خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يقولُ: ما تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِن تَوْبَةِ مَاعِزٍ، أنَّهُ جَاءَ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ في يَدِهِ، ثُمَّ قالَ: اقْتُلْنِي بالحِجَارَةِ، قالَ: فَلَبِثُوا بذلكَ يَومَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ» قالَ: فَقالوا: غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ، قالَ: فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: «لقَدْ تَابَ تَوْبَةً لو قُسِمَتْ بيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ…» الحديث، فهذا درسٌ لنا في وُجوب التثبُّت والتبيُّن قبل اتِّخاذِ أيِّ قرارٍ قد يعود على المرء بالندامة نتيجةَ تهوُّرِه وعجلتِه.

سليمان -عليه الصلاة والسلام- وتثبُّته مِن خبر الهدهد:

قال تعالى في قصة سليمان معَ الهدهد: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل:20-27].

سنبحث في الأمر لعلَّك تكون قد كذبت، أو أخطأتَ، أو وهمتَ، لعلَّ في الأمر التباسًا وغُموضًا = ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل:27].

ويا ليت الناسَ اتخذوا هذا شعارًا لهم، كلَّما جاءَنا رجلٌ يقول: فلان قال، وفلان فعل، وفلان مُتَّهم، وفلانة وقع لها كذا وكذا = لو أجبْنا كلَّ واحدٍ يسعى بين الناس بالقيل والقال بهذه الكلمة، سننظر، سنبحث، سنتأكَّد ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ لو اتَّخذْنا هذا شعارًا لنا في الحياة، لقطعْنا الطريقَ على أصحابِ النميمة والوِشايات الكاذبةِ الذين يسعَونَ بين الناس بالفساد والإفساد، ولانتهَتْ أكثرُ الخصومات والنزاعات بين الناس؛ لأنَّ معظمَ هذه الأمور التي تقع بين الناس مبنيَّةٌ على شائعاتٍ تتناقلُها الألسُنُ دون تثبُّتٍ ولا تبيُّن، فتَنتُج عنها الكراهيةُ والقطيعةُ، إلخ…

  • التثبُّت والتبيُّن مِن أخلاق الصالحين المُتَّقينَ:

فالعبد الصالح حريصٌ على ما يَصلُحُ به دينُه وعِرضُه، وتَصلُحُ به حياتُه، ينأى بنفسِه عن كلِّ ما يُؤذيه أو يؤذي غيرَه، لا تُغريه الكلماتُ البرَّاقةُ الخدَّاعةُ، ولا ينخدع بالوشايات والشائعات، أخرج الإمامُ أحمدُ عَنْ أَبِى ظَبْيَانَ الْجَنْبيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أُتِيَ بِامْرَأَةٍ قَدْ زَنَتْ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا، فَذَهَبُوا بِهَا لِيَرْجُمُوهَا، فَلَقِيَهُمْ عَلِيٌّ فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ قَالُوا: زَنَتْ فَأَمَرَ عُمَرُ بِرَجْمِهَا. فَانْتَزَعَهَا عَلِيٌّ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَرَدَّهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: مَا رَدَّكُمْ؟ قَالُوا: رَدَّنَا عَلِيٌّ. قَالَ: مَا فَعَلَ هَذَا عَلِيٌّ إِلاَّ لِشَيْءٍ قَدْ عَلِمَهُ. فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ فَجَاءَ وَهُوَ شِبْهُ الْمُغْضَبِ، فَقَالَ: مَا لَكَ رَدَدْتَ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم يَقُولُ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَعْقِلَ»؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنَّ هَذِهِ مُبْتَلاَةُ بَنِي فُلاَنٍ، فَلَعَلَّهُ أَتَاهَا وَهُوَ بِهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لاَ أَدْرِى. قَالَ: وَأَنَا لاَ أَدْرِى. فَلَمْ يَرْجُمْهَا.

ولما دخل رجلٌ على عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وذكر له عن رجلٍ شيئًا، قال له عمر: إنْ شئتَ نظرْنا في أمرك، فإنْ كنتَ كاذبًا فأنت مِن أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:6]، وإنْ كنتَ صادقًا فأنت مِن أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:11]، وإنْ شئتَ عفوْنا عنك. فقال: العفوَ يا أميرَ المؤمنين، لا أعودُ إليه أبدًا.

  • في التثبُّت والتبيُّن نجاة من الفتن:

تزداد أهميةُ التثبُّت وتعظُمُ الحاجةُ إليه في زمن وقوع الفتن، واضطراب الأحوال، واختلاط الحقِّ بالباطل، والصدق بالكذب؛ لِما يستَدعيه زمنُ الفتن والشرور مِن كثرة الكذب والافتراء.

فالفتن إنَّما تظهر بالشائعات والأباطيل، وتنتشر بالقال والقيل، معَ خِفَّةِ عقلٍ في نَقَلَتِها، ورِقَّةِ دينٍ تمنعُهم مِن امتثال أمر الله تعالى بالتثبُّت وتركِ العجلة.

ولتجدَنَّ أشدَّ الناس حِدَّةً في الطبْع، وإعجابًا بالنفس، وتعصُّبًا للرأي هم أولئك الذين لا يتثبَّتون ولا يتبيَّنون، فيغلُبُ عليهم الشطَطُ والكِبْرُ، وعدمُ مراعاة الناس، والجميعُ في نظرِهم جَهلةٌ لا يعلمون، وهم وحدَهم العارِفون العالِمون.

فحمْلُ المسلمين على العدل وحُسنِ الظنِّ بهم هو الأصلُ الذي لا ينبغي العُدولُ عنه إلَّا بمثلِه مِن اليقين، أمَّا بمجرَّدِ أقوالٍ تُقال وتُذاع لا يُدرى مِن أيِّ رأسٍ خرَجت، ولا على أيِّ أرضٍ درَجت؛ فجريمةٌ يُسألُ صاحبُها عنها، مُفضِيةٌ إلى الندامة في الدنيا قبل الآخرة.

ولو فرضْنا صحةَ الخبر يقينًا، فإنَّه يبقى بعد ذلك النظرُ في مصلحةِ نشرِه مِن عدمِها، فإنَّه ليس كلُّ ما يُعلَم يُقال، وإنَّ مِن الأخبار ما لا يُلقى إلَّا إلى الخاصَّة الذين يصلحون في الأرضِ ولا يفسدون.

وليُعلمْ أنَّ هتكَ الأستار ليس مِن الإصلاحِ في شيء؛ فإنَّ الله تعالى أمر بالستر والنُّصح، وأَمْرُه -سبحانَه- هو الصلاحُ والإصلاحُ بعينِه، وما خالفَه فليس مِن الإصلاح في شيء.

في التثبُّت والتبيُّن صيانةٌ لكرامة المرء، ووقاية له من التُّهَمِ الزائفة، والإشاعات الكاذبة، وفيه حماية للمرء من الزلل والخطأ، ومن إزهاق النفوس وإراقة الدماء، فأين مِن هذا مَن يتعجَّلُ فيحكمُ على كلِّ مَن خالَفه بالكفر والنفاق؟! لكنَّه الهوى والطَّيْشُ والجهلُ.

وفي التثبُّت والتبيُّن وِقايةٌ للمجتمع مِن التمزُّقِ والتنازع والفُرقة؛ فلا شكَّ أنَّ الشائعاتِ والأكاذيبَ والتُّهَمَ تُمثِّلُ مصدرَ قلقٍ في البناء الاجتماعيِّ، والانتماءِ الحضاريِّ لكلِّ الشعوبِ والأُمَم، ولِبثِّها ونشرِها بين أفراد المجتمع آثارٌ سلبيةٌ على تماسُك المجتمع المسلم وتلاحُمِ أبنائه والحِفاظِ على وَحدتِه.

ونقلُ الأخبار دون تثبُّتٍ ولا تبيُّن، وبثُّ الشائعات والأكاذيب بين الناس سلوكٌ منحرف خبيث، مُنافٍ للأخلاق النبيلة، والسجايا الكريمة، والمُثُل العليا التي جاء بها الإسلام، وحثَّت عليها شريعتُنا الغرَّاءُ من الاجتماع والمحبَّة والمودَّة والإخاء، والتعاون والتراحم والتعاطف والصفاء = فَعَن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». وهل الشائعةُ إلا نسْفٌ لتلك القيم، ومِعولُ هدمٍ لهذه المُثُل؟!

كما حرَّم الإسلام الغيبةَ والنميمة، والوقيعةَ في الأعراض، والكذب والبُهتانَ، وهل الشائعةُ إلا كذلك؟!

وأمر الإسلام بحفظ اللسان، وحرَّم القذفَ والإفك، وتوعَّد مُحبِّي رَواجِ الشائعات بالعذاب الأليم، فقال سُبحانَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور:19].

كلُّ هذا وذاك كان حِفظًا لكرامة الإنسان، وصيانةً لوَحدة المجتمع، وسدًّا لذريعة التفرُّقِ والتنازع، وقد قال ربُّنا سبحانَه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:103]. فواجبٌ علينا أن نحافظ على هذه الأُخوَّةِ الإسلامية، وواجبٌ على كلِّ فرد في المجتمع أن يحافظ على تماسُكِ مجتمعِه ووَحدتِه.

  • وهذه أمثلةٌ على مخاطرِ الشائعات ونتائجِها السيِّئة:
  1. لمَّا هاجر الصحابةُ مِن مكَّةَ إلى الحبشة، وكانوا فيها في أمان، أُشيع أنَّ كُفَّارَ قريش في مكَّةَ قد أسلموا، فرجَع بعضُ الصحابة من الحبشة، وتكبَّدوا عناءَ الطريق، حتَّى وصلوا إلى مكَّةَ ووجدوا الخبرَ مكذوبًا، فمِنهم مَن رجَع إلى الحبشة، ومِنهم مَن بقي يُقاسي ألوانًا مِن الإيذاء والتعذيب، وكلُّ ذلك بسبب الشائعات.
  2. في غزوة أُحُد؛ لمَّا قُتل مصعبُ بن عُمَير، وأُشيع بين الناس في ساحة المعركة أنَّ الذي قُتل هو رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم، فانكفأ جيش الإِسلام، وتحطَّمت معنوياتُه بسبب الشائعة، فبعضُهم هرَب إلى المدينة، وبعضُهم ترك القِتال، وبعضُهم قالَ لبقية الصحابة الذين ثبتوا على أرض المعركة: قوموا فموتوا على ما مات عليه.
  3. ولعلَّ مِن أشهر هذه الشائعات وأخبثِها حادثةَ الإفك المبين، ذلكم الإفك والكذب الذي أشاعه المنافقون بين الناس، والذي اتُّهمت فيه عائشةُ رضي الله عنها بالفاحشة، وهي الطاهرة العفيفة، الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق، التي تربَّت في بيت الطُّهر والعِفَّة والنقاء والحياء.

تلكم الحادثة التي فُتِن بها بعضُ المسلمين، وتحدَّثوا فيها دون تثبُّت ولا تبيُّن، ولا زالت هذه الشائعةُ الكاذبة تعمل عملَها إلى الآن، ما زال الشيعة الخبثاءُ يُصدِّقونها ويُروِّجون لها، ويتَّهمون أمَّ المؤمنين عائشةَ رضي اللهُ عنها بالفاحشة، رغم أنَّ اللهَ قد بَرَّأها مِن فوق سبع سماوات..

تلكم الحادثة التي شغَلت المسلمين بالمدينة شهراً كاملاً، وبَيْتُ النُّبُوَّة في حزن وألم، والمجتمع الإسلامي في همٍّ وغمٍّ، ولولا عنايةُ الله لعصَفت تلك الشائعةُ الكاذبةُ بالأخضر واليابس، حتى تدَخَّلَ الوحيُ ليضع حدًّا لتلك المأساةِ الفظيعة، وليرسم المنهجَ السليمَ للمسلمين عبر العصور لِما ينبغي لهم فعلُه معَ مثلِ هذه الشائعات والافتراءات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:11].

  • المنهج الشرعي في التعامل مع الشائعات:
  1. أنْ يُقدِّمَ المسلم حسنَ الظنِّ بأخيه المسلم، وأنْ يُنزِلَ أخاه المسلم بمنزلتِه، قال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:12]. وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:12].

أخرج الإمامُ مالكٌ وعنه البخاريُّ ومسلمٌ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هُرَيرةَ -رضي اللهُ عنه- أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».

  1. طلب الدليل قبل تصديق التُّهَم والشائعات، قال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:13]، فلا ينبغي للمسلم أنْ يكونَ أُذُنًا لكلِّ ناعِق، بل عليه التحقُّق والتبيُّن والتثبُّت وطلب البراهين الواقعية، والأدلَّة الموضوعية، والشواهد العملية، وبذلك يسدُّ الطريق أمام الأدعياء الذين يعملون خلف الستور، ويَلوكون بألسنتِهم كلَّ قولٍ وزور، ضِدَّ كلِّ مُصلِحٍ ومُحتسِبٍ وغَيورٍ.
  2. ألَّا نُحدِّثَ بكلِّ ما سمِعنا، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:16].

أخرج الإمامُ مسلمٌ في صحيحِه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»، وفي رواية ابنِ حِبَّانَ والحاكمِ وأبي داود: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»، وفي صحيح مسلم قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: “بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ”.

وسدًّا لباب أمام الوُشاة المُغرِضين، ونقَلة الشائعات المُتربِّصين، ومنعًا لِرَواج الشائعات، والبلاغات المجهولة المُغرِضة، والأخبار المُلفَّقة المَكذوبة في حقِّ أُناسٍ بريئين؛ حذَّر نبيُّنا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مِن نقل الأخبار بين الناس على سبيل الفساد والإفساد فيما بينَهم، واعتبر ذلك شرًّا وجُرمًا. روى الإمامُ أحمدُ في مُسنَدِه، والبخاريُّ في الأدبِ المُفرَد وغيرُهما، وصحَّحه الألبانيُّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟». قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى». ثُمَّ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ للْبُرَآءِ الْعَنَتَ».

  1. أنْ يُرَدَّ الأمرُ إلى أولي الأمر والعلم، قال سبحانَه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]، قال ابن كثير رحمه الله: “وقولُه ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء:83] إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ يُبَادِرُ إِلَى الْأُمُورِ قَبْلَ تَحَقُّقِهَا، فَيُخْبِرُ بِهَا وَيُفْشِيهَا وَيَنْشُرُهَا، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهَا صِحَّةٌ”.

فما اشتبه على المرء من هذه الأخبار، عليه أنْ يرُدَّه إلى مَن يُحسِنُ الفهمَ له والقولَ فيه مِن العلماء والحكماء، مِن ذوي الآراء الصائبة والحَصافة العقلية؛ لأنَّهم أكثرُ تجرِبةً، وأنورُ قلوبًا، وأخلَصُ مُعتقَدًا، وأكثرُ علمًا، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل:43].

  1. النظر في العاقبة، وهلْ بَعْدَ تصديق الإشاعة ونشرِها دون تثبُّت ولا تبيُّن إلا الخسارةُ والندامةُ؟!، قال تعالى مُحذِّرًا مِن سوء عاقبتِها، ومُعاتِبًا لمُروِّجيها ومُصدِّقيها: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ [الحجرات:6].

فليعلم الإنسانُ أنَّه مسؤولٌ أمام الله عزَّ وجلَّ، ومُحاسَب بين يديه عن كلِّ قولٍ وكلِّ كلامٍ، قالَ سبحانَه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18] وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:36].

وليعلم أنَّ كلَّ خسارة لحِقت بمسلم، وكلَّ همٍّ أو غمٍّ أصاب إخوانَه المسلمين، وكلَّ أموال أُهدِرت ودماء أُهرِيقت بسبب شائعتِه التي نشرها أو ساعد في نشرِها، فله نصيبٌ مِن الإثمِ فيها.

فاللبيبُ لا يتكلَّمُ إلَّا بعد التثبُّت والتبيُّن، ومَن حدَّثَ بكلِّ ما سمِع فقد أزرى رأيَه، وأفسد صدقَه، وقد قالَ بعضُ الحكماء: “مَن غلب لسانَه أمَّرَه قومُه، ولا يُسارِعُ في الحديثِ إلَّا مَن هانَتْ عليه نفسُه، ومَن اشتَغلَ بِما لا يعلمُ اتُّهِمَ فيما يعلَمُ”.

فعلى كلِّ فرد في المجتمع، كلٌّ في مَجالِه، أنْ يتثبَّتَ ويتبيَّنَ في جميعِ أمورِه، وأنْ يبذلَ كلَّ ما في وُسعِه وطاقتِه مِن أجل القضاء على هذه الظاهرة المُدمِّرة والمُهدِّدة لأمن الأمة واستقرارِها، كما أنَّ على البيت والمسجد والأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام دورًا كبيرًا في الحفاظ على سلامة المجتمع مِن شرور الشائعات وأخطارِها، بَدءًا بالوعي وتقوية الوازع الإيمانيِّ، ومرورًا بتبيينِ الحقائق ونشرها، وليس انتهاءً بعدم التساهل في نقل الكلام وبثِّ الأنباء، لا سيَّما في أوقات الفتن والأزمات.

فاللهُمَّ اجعلْنا مِن أهل الخير والمعروف والصلاح، ولا تجعلْنا مِن أهل الإفك والكذب والافتراء.

وصلى اللهُ وسلَّم على نبيِّنا وحبيبِنا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى