الأسرة المسلمة

قيمة العفو والتسامح

  • الأخلاق الحميدة:

جاءَت رِسالةُ الإسلام السَّمحةُ مِنهاجًا مُبيِّنًا للعالَمِ أجمعً، وحَمَلَتْ في طيَّاتِها الخيرَ الكثيرَ الذي عمَّتْ فضائلُه أرجاءَ الكونِ كلِّه، ودعا في مواطنَ كثيرةٍ إلى التحلِّي بالأخلاق الحميدةِ التي هي مِن صُلْبِ هذا الدِّينِ، بل هي الغايةُ التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأَخْلاقِ»، وفي رِوايةٍ: «صالِحَ».

الأخلاقُ هيئةٌ تُرسَّخُ في نفس الإنسان، وتَصدُرُ مِن خلالِها الأفعالُ، مِنها ما هو حسَنٌ، ومِنها ما هو سيِّئٌ، وقد تكون موجودةً لَدى الإنسانِ بالفِطرةِ أو أنَّه يستطيعُ أنْ يتحصَّلَ عليها بالاكتسابِ وتقويمِ ما لديه مِنها؛ ففي حديثِ أبي هُرَيرةَ رضِي اللهُ عنه أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّمَ قالَ: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ»، فيحافظُ الإنسانُ على صلاحِها ظاهرًا وباطنًا؛ لتغدوَ بواعثُه سليمةً مِن الداخل، وتنعكِسُ على الخارجِ بكلِّ ما هو طيِّبٌ، وهناك مِن الأخلاق الحسَنةِ ما شهِد لها القُرآنُ الكريمُ والسُّنَّةُ النَّبَويَّةُ الصحيحةُ، ومِنها العَفْوُ والتَّسامُحُ.

ورَد ذِكرُ العَفْوِ في القُرآنِ الكريمِ في مواضعَ عديدةٍ، حيثُ قالَ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:149] وقال أيضًا: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:22].

وهذه الآياتُ إنَّما تدُلُّ على عِظَمِ مَكانةِ مَن يتَّصفُ بهذه الصِّفَة، فالعَفْوُ أنْ يترفَّعَ المرءُ عن مُعاقَبةِ مَن يستحقُّ العُقوبةَ ويتركَها معَ قُدرتِه على إيقاعِها؛ طلبًا لمَرضاةِ الله وعَفوِه وغُفرانِه، وتقرُّبًا إلَيْه سُبحانَه، أمَّا التَّسامُحُ فهو عدمُ ردِّ الإساءةِ بالإساءة، ويقتربُ معناه مِن العفوِ؛ إذ إنَّ مِن وُجوهِ التَّسامُحِ العفوَ والتساهُلَ والتجاوُزَ وخُلُوَّ القلبِ مِن أيِّ حقدٍ أو غِلٍّ دَفين.

إنّ العفوَ والتسامحَ خُلُقانِ كَريمانِ تحتاجُهما النفسُ البشريَّةُ؛ لتتخلَّصَ مِن كلِّ الشوائبِ التي قد تعلَقُ في القلبِ مِن أثَرِ الأذى، وكذلك لينعمَ الأفرادُ بالخير والحُبِّ وانشراحِ الصَّدر، وهُما إنَّما يتحقَّقانُ بطولِ صبرٍ وكظمٍ للغَيظِ واحتسابٍ للأجرِ عند الله سُبحانَه وتعالى، ولا رَيْبَ أنَّ تغليبَ العفوِ والتسامحِ على العِقابِ يُنجِّي الأفرادَ مِن المُنازَعات الحادَّةِ التي قد تنشأُ بينَهم، إلَّا إذا تمادى أصحابُ الأذى معَ كثرةِ العفوِ، وتكرَّرَ ظلمُهم وإساءتُهم؛ فَعَلى المسلِمِ أنْ يكونَ فَطِنًا يَقدُرُ للأمورِ قَدْرَها، فيكونُ الإصلاحُ في هذه الحالة أَولى مِن العفوِ والتسامحِ؛ لدفْعِ الضَّرَرِ الحاصل.

  • آثار العفو والتسامح على الفرد والمجتمع:
  • سلامة القلوب مِن الضغينةِ والحقدِ والغِلِّ ومَشاعرِ الانتقام.
  • انتشار المحبَّة والسلامِ بين أفراد المجتمع كلِّه، وتعزيز أواصر العَلاقاتِ بينَهم.
  • اتِّقاء الأضرار والعَداواتِ التي قد تنجُمُ عن انتشارِ الإساءةِ بين الناس وتركِ فضيلةِ العفوِ والتسامح.
  • ارتفاع رصيدِ الإيمان لدى صاحبِها؛ بأنْ يجعلَ عفوَه وتسامحَه إرضاءً لله، وسعيًا لِنَيْلِ عفوِه في الآخرة، وشُكرًا له على أَنْ جعلَه قادرًا على أخْذِ حقِّه إنْ شاء.
  • الفوز بالأجر العظيمِ الذي وعَد اللهُ تعالى به عبادَه، حيثُ قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى:40].

واعلَموا -يا رعاكم اللهُ- أنَّ دينَ الإسلام يحُثُّ على العفوِ والتسامح، قال اللهُ -جلَّ وعلا-: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:133-134]، وعَن أبي هُرَيرةَ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا» [رواه مسلم].

والعفوُ -يا عبادَ الله- انتصارٌ على النفسِ وعلى الشَّيطان، فالشَّيطانُ -أعاذَنا اللهُ وإيَّاكم مِنه- يُريدُ تفريقَ المسلِمين، يُريدُ الخِلافَ والشِّقاقَ بين عِبادِ الله؛ كما جاءَ في صحيحِ مسلِمً: «إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أيِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، ولَكِنْ في التَّحْرِيشِ بيْنَهُمْ».

تأمَّلوا معي -يا عِبادَ الله- في بعضِ الخِلافات، وقد تكونُ بين الأقربِين، لا يتحمَّلُ بعضُهم بعضًا، وإذا بدَرَ مِن أحدِهم خطأٌ أعرَضَ الآخرُ عَنه، وقابَلَ تلك الإساءةَ بالصُّدودِ والإعراضِ والتَّقاطعِ، والتَّهاجُرِ والتَّدابرِ، ودينُنا يحُثُّ على العفو، ولو لم يكُن -يا عبدَ الله- في العفوِ أنَّ العافي يقعُ أجرُه على الله لكَفى، والعَطيَّةُ على قدْرِ مُعطيها، قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:34-35].

هَبْ -يا أخي المُبارَكَ- أنَّ فلانًا مِن الناسِ أخطأ في حقِّك، ولك مِنه يومَ القِيامةِ مِقْدارَ مِلْيونِ حسنةٍ مثلًا، تزيدُ أو تنقُصُ، كيف إذا وقَع أجرُك على الله؟!، واللهُ يُحِبُّ المُحسِنين، فالعفوُ إحسانٌ على النفسِ وإحسانٌ على الغَير، وهذا مِن ثمراتِ العفو: أنَّ اللهَ يُحِبُّك.

ومِن ثمراتِ العفوِ أيضًا أنَّ مَن عَفا عن عِبادِ اللهِ عفا اللهُ عَنه، فاعفُ هُنا يعفُ هُناك، واصفَحْ هُنا يصفَحْ هُناك، قالَ تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ [الرحمن:60].

يقولُ ابنُ القيِّمِ: “يا ابنَ آدمَ، إنَّ بينَك وبين اللهِ خَطايا وذُنوبًا لا يعلُمُها إلَّا هو، وإنَّك تُحِبُّ أنْ يغفِرَها اللهُ لك، فإذا أحببْتَ أنْ يغفِرَها لك، فاغفِرِ أنتَ لعبادِه، وإنْ أحببْتَ أنْ يعفُوَها عَنك، فاعفُ أنتَ عن عبادِه، فإنَّما الجَزاءُ مِن جِنسِ العمَلِ، تعفو هُنا يعفو هُناك، تنتقمُ هُنا ينتقمُ هُناك”.

ومِن ثمراتِ العفوِ أيضًا حُصولُ السعادةِ والسكينة، فالذي يعفو عن الناس، ويتسامحُ معَ أخطائِهم، ينامُ قَريرَ العَينِ مُرتاحَ البالِ، اطمأنَّ قلبُه وسكَنَت نفسُه؛ لأنَّه يتعاملُ معَ الله، ولا يتعاملُ معَ البشر، وانظُرْ -يا عبدَ الله- إلى تلك الخَطيئةِ أنَّ هذا قدَرٌ مِن الله علَيْك، سلَّطَ اللهُ علَيْك هذا الإنسانَ ليُسيءَ إليك، فلا تتعاملْ معَ البشَر، ولكن تعاملْ معَ ربِّ البشَر، وانظُرْ إلى الناس بعَينِ الرحمةِ والشَّفَقة.

ومِن ثمراتِ العفوِ أيضًا: اجتماعُ الكلمة، ووَحدةُ الصفِّ، وقُوَّةُ الأُمَّة، يقولُ اللهُ تعالى مُحذِّرًا مِن التنازُعِ ومُبيِّنًا خُطورتَه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:46].

  • مِن صُوَرِ العفو والتسامح:

لَقدْ أَمر اللهُ نبيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعَفْوِ عَنِ النَّاسِ فَقَالَ سُبحانَهُ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:159]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:13]، فَكَانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحبُّ العفْوَ ويمِيلُ إِلَى الصَّفْحِ وَلَا يُقْدِمُ عَلَى العُقُوبَةِ إِلَّا إِذَا تحتَّمتْ وَصارَتْ لِزامًا. وَموَاقِفُ العفْوِ فِي سيرَةِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيرةٌ معلومةٌ, مِنْهَا ما تقدَّم مِنْ عَفْوِه مِنْ أَهْلِ مَكَّة بعدَ الفتْحِ الأعْظمِ.

طُرِد النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن مكَّةَ، ولقِي فيها ما لقِي وما تَعلَمونَ مِن الأذى والتَّضيِيقِ، وعندما كان فتْحُ مكَّةَ قابَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك الإساءةَ بالإحسانِ، فقالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَقُولُونَ؟» قَالُوا: نَقُولُ: ابْنُ أَخٍ، وَابْنُ أخٍ كَرِيمٍ، ثُمَّ عَادَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلَ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: «فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُو أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:92]، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»، وقالَ أيضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ».

وعندما شُجَّ وجهُه الشريفُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في معركة أُحُدٍ، أخذ يَسيلُ الدمُ مِن وجهِه، يقولُ عبدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ رضِيَ اللهُ عَنْه: “كَأَنِّي أنْظُرُ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فأدْمَوْهُ، وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عن وجْهِهِ ويقولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ”.

سُئِلتْ عائشةُ -رضِي اللهُ عَنها- عن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ -صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّم- فقالَتْ: “لم يكُنْ فاحِشًا ولا مُتَفَحِّشًا ولا صَخَّابًا في الأَسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئةِ السَّيِّئةَ، ولكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ”.

وأكبرُ دليلٍ على ذلك أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟! فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ؛ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟!، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ» فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».

جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ، كَمْ نعفُو عَن الخادِمِ؟! فصمَتَ، ثمَّ أعادَ علَيْه الكلامَ فصَمَتَ، فلمَّا كانَ في الثالِثةِ قال: «اُعْفُ عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةٍ».

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: “خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا أَمَرَنِي بِأَمْرٍ فَتَوَانَيْتُ عَنْهُ، أَوْ ضَيَّعْتُهُ فَلَامَنِي، فَإِنْ لَامَنِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا قَالَ: «دَعُوهُ، فَلَوْ قُدِّرَ ـ أَوْ قَالَ: لَوْ قُضِيَ ـ أَنْ يَكُونَ كَانَ»، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا؟”.

وَهَذَا لَا يَنْقَضِي مِنْهُ الْعَجَبُ، وَلَكِنَّهَا أَخْلَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِأَنَّ أَنَسًا كَانَ فِي التَّاسِعَةِ مِنْ عُمُرِهِ، أَوْ فِي الْعَاشِرَةِ، أَوْ هُوَ بَيْنَهُمَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَقُلْ لَهُ لِشَيْءٍ صَنَعَهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ يَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا، أَيْ: لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ فِي فِعْلٍ وَلَا تَرْكٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَرْكَ اعْتِرَاضِهِ ﷺ عَلَى أَنَسٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِدْمَةِ وَالْآدَابِ، لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الِاعْتِرَاضِ فِيهَا.

هِيَ أَخْلَاقُ النَّبِيِّ ﷺ، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ أَلَّا يَقُولَ لِوَلَدِهِ مِنْ صُلْبِهِ عَشْرَ سِنِينَ، أَلَّا يَقُولَ لَهُ: أُفٍّ، خِلَالَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ مِنَ الزَّمَانِ؟! فَأَنَسٌ لَيْسَ بِوَلَدِهِ، وَهَذَا أَدْعَى لِأَنْ يُعَامِلَهُ بِمَا لَمْ يُعَامِلْ بِهِ وَلَدَهُ، وَلَكِنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

وَ(أُفٍّ) كَلِمَةُ تَضَجُّرٍ، لَمْ تَصْدُرْ مِنْهُ أَبَدًا عَشْرَ سِنِينَ، وَأَنَسٌ كَانَ صَبِيًّا بَعْدُ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَفْعَلُ مَا تَقْتَضِيهِ سِنُّهُ، كَمَا حَكَى هُوَ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَذْهَبَ لِحَاجَةٍ عَيَّنَهَا لِي، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ ﷺ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، قال: فَمَا رَاعَنِي إلَّا وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَخَذَ بِأُذُنِي مِنْ خَلْفِي وَهُوَ يَضْحَكُ وَيَقُولُ: «يَا أُنَيْسُ، هَلْ ذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟!» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ كَمَالِ خُلُقِهِ ﷺ وَحُسْنِ عِشْرَتِهِ، وَحِلْمِهِ وَصَفْحِهِ، بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي وَنَفْسِي ﷺ، ولَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْمَلَ النَّاسِ خُلُقًا، وَأَحْسَنَهُمْ أَخْلَاقًا، كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْحُبِّ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، مَنْ بَلَغَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ مَبْلَغًا مَرْضِيًّا، وَتَسَنَّمَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ مَكَانًا عَلِيًّا، هذا هو قُدوتُنا وأُسوتُنا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقد سارَ السَّلَفُ الصالِحُ -رِضوانُ اللهِ علَيْهم- على هذا الخُلُقِ الكريمِ، والتزَموه سُلوكاً قَويماً في حياتِهم، فهذا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، الذي كَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ بْنُ أُثَاثَةَ؛ لِقَرَابَتِهِ وَفَقْرِهِ، فهو ابنُ خالتِه، ولكنَّ مِسْطَحَ بْنَ أُثَاثَةَ كان مِمَّن تكلَّمُوا في عِرِضِ ابنةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ عائِشةَ المُطهَّرةِ زوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حادثةِ الإفكِ، فغضِبَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ على مِسْطَحٍ، وحلَفَ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ قائلًا: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور:22] فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي لِأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَنْزَعُهَا مِنْهُ أَبَدًا.

وكذلك كان عُمَرُ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولاً كَانُوا، أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لاِبْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي، هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، قَالَ: سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَاللهِ، مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلاَ تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ، حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْ فِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:199] وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ، وَاللهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ.

وهذا الإمامُ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ وقصَّتُه معَ المَأمُونِ والأذيَّةِ التي أوقعَها به المأمونُ في مِحنةِ خلْقِ القُرآن، حيثُ جلَدَ ظهرَه حتَّى كان يُغمى عليه مِن شدَّةِ الجَلْد، فكانَ يقولُ: “اللهُمَّ اغفِرْ للمَأمُونِ”.

ويقولُ ابنُ القيِّمِ عن شيخِه ابنِ تيمِيَّةَ: “وجئتُ يَومًا مُبشِّرًا له بمَوتِ أكبَرِ أعدائِه، وأشدِّهم عداوةً وأذًى له، فنَهَرني، وتنكَّرَ لي، واستَرجَع، ثم قامَ مِن فَوْرِه إلى بَيتِ أهلِه فعَزَّاهم، وقال: إنِّي لكُم مكانَه، ولا يكونُ لكُم أمرٌ تَحتاجُونَ فيه إلى مُساعَدةٍ إلَّا وساعَدتُكم فيه. ونَحوَ هذا مِنَ الكلامِ، فسُرُّوا به، ودعَوْا له، وعظَّموا هَذه الحالَ مِنْه”.

هذه أخلاقُ الكِبار؛ لأنَّهم لا يَتعامَلونَ معَ البشَر، وإنَّما يَتعامَلونَ معَ ربِّ البشَر، فطهِّروا قلوبَكم منِ الغِلِّ والحِقدِ، لا سِيَّما على مَن تَتعامَلونَ معَهم مِن الأقرِباء، لا سِيَّما مِمَّن معَكم بالبَيت، يعفو الإنسانُ عن زوجتِه، يعفو عن أولادِه، يعفو عن خَدَمِه، يعفو عن جيرانِه، والمُديرُ يعفو عن العامِلين تحتَ إدارتِه، ويكونُ التَّعامُلُ معَ الله؛ حتَّى تعيشَ في سَكينةٍ وسعادةٍ، وتلْقى الجَزاءَ العظيمَ مِن اللهِ تبارَكَ وتعالى.

والإنسانُ الصالِحُ يسعى للإصلاحِ بين الناس، لذلك إذا علِمتَ خلافًا بين شخصٍ وآخَرَ بادِر بالإصلاحِ بينَهما، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:114]، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى قَالَ: «صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» [رواه أبو داود والترمذيُّ وابنُ حِبَّانَ، وصحَّحه الشيخُ الألبانيُّ رحِمه اللهُ].

واعمَلْ على إفشاءِ السَّلام، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».

وبادِر بالهدِيَّةِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أيضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا».

وأخيرًا، سَلْ نفسَك -يا عبدَ الله- كَمْ مرَّةً أصلَحت بين مُتخاصِمين؟! بل تأمَّلْ حالَ بعضِ الناسِ -هداهم اللهُ- الذين يسعَون بالوِشايةِ بين الناس، وينقُلونَ الكَلامَ بين الناس، قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ»، أي: نمَّامٌ.

اللهُمَّ طهِّر قُلوبَنا وأبدانَنا مِن الغِلِّ والحِقدِ والحسَدِ وسائرِ الأمراض، يا ربَّ العالَمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى